الإيجابية الواعية.. خطوة بسيطة نحو بناء الوطن وإصلاحه

كتب /معالى اللواء سامى محمود دنيا

إن الإيجابية الواعية تمثل ركيزة أساسية لكي يساهم كل مواطن ببوست واحد في إصلاح وطنه. وحين نمعن النظر في واقعنا، نجد أن التغيير للأفضل يبدأ من حل سلبياتنا الكثيرة عبر ثقافة بسيطة تتمثل في المشاركة والوعي. إن مشكلتنا اليوم لا تكمن فقط في وجود السلبيات، بل في أننا نساعد أحياناً على انتشارها دون أن ندري، من خلال صفحات فقدت بوصلة الاتجاه وتشارك أي خبر دون تحرٍ لصمته، أو صفحات تحولت إلى منصات للحوادث لا تنشر سوى المآسي والأحزان، وأخرى تبحث عن التفاعل بأي ثمن بغض النظر عن صحة الخبر أو زيفه أو فائدته مقابل جمع التفاعلات والمشاركات، فضلاً عن أقلام تتحدث في كل شأن ولا سيما الموضوعات الساخنة دون علم أو وعي أو إحاطة حقيقية بأبعاد الأمر وأسبابه.

من هنا تبرز الحاجة الملحة لتغيير تلك المعادلة، وجعل ذات المشاركة اليومية وسيلة لبناء الوعي، ونشر الإيجابية، ومساعدة مؤسسات الدولة في مواجهة السلبيات، وهو أمر لا يتطلب جهداً مضافاً ولا أموالاً طائلة ولا وقتاً طويلاً، بل يكتفي بأن نتابع الصفحات الرسمية والموثوقة للمؤسسات والوزارات، وحين يظهر منشور مفيد وموثوق، نقوم بمشاركته بكل بساطة دون الحاجة لكتابة مقال أو إعداد تحليل أو الدخول في جدال عقيم. فبوست واحد مفيد يمكنه بلوغ آلاف الأشخاص، وتخيل لو دأب كل منا على هذا الفعل باستمرار، لتتولد من رحم ذلك ثقافة جديدة تتمثل في المواطن الإيجابي الواعي. وتبرز هنا عدة صفحات رسمية تستحق الدعم والمتابعة، منها وزارة الداخلية بنشاطها المستمر وسرعة تعاملها مع الأحداث ونشر التوعية ونتائج الإجراءات المتخذة، ووزارة الموارد المائية والري بتوعيتها المستمرة بقضايا المياه ورصد المخالفات والتفاعل مع شكاوى المواطنين وتأكيد أهمية الحفاظ على الموارد المائية، ووزارة الأوقاف بتوعيتها الدينية والمجتمعية ومواجهة السلوكيات الخاطئة، ووزارة الخارجية بمتابعتها المستمرة للأحداث الدولية ونشر البيانات الرسمية وإبراز التحركات المصرية إقليمياً ودولياً وأفريقياً، ووزارة النقل بمعلوماتها وتحديثاتها وتنبيهات السلامة وطرق الإبلاغ، والعاصمة الإدارية الجديدة بمعلوماتها الخدمية عن مقار الوزارات والجهات الحكومية والخدمات المختلفة، إلى جانب غيرها من المؤسسات الرسمية التي يجب أن تكون مصدراً أساسياً للمعلومة بدلاً من صفحات الشائعات والتهويل.

وإذا أخذنا نموذجاً عملياً واضحاً في منظومة التعامل مع مخالفات المياه والري، سنجد أنه عندما توفر الجهات المختصة قنوات رسمية لاستقبال البلاغات والصور والمعلومات عن المخالفات، فإن المواطن يستطيع أن يكون عيناً إضافية للدولة بشرط أن يكون البلاغ حقيقياً وواضحاً ودقيقاً دون تحول الأمر إلى اتهامات عشوائية، بحيث يقدم صورة صحيحة وموقعاً واضحاً وتفاصيل دقيقة لتقوم الجهات المختصة بالتحقق واتخاذ الإجراء القانوني المناسب. وفي هذا السياق، يجب أن ندرك جيداً أن ليس كل مشكلة يكمن حلها في وضع كاميرات بكل مكان، ولا في نشر أفراد أمن على كل متر، وليست كل مخالفة تستدعي إمكانيات ضخمة تفوق حجمها، فاللغة الحديثة للدولة تعتمد على التكامل بين المعلومات والتكنولوجيا والأقمار الصناعية والبلاغات والجهات التنفيذية والقوات على الأرض. ومن هنا يتعين علينا ترك دور المحلل العشوائي الذي يبتدع الأحكام بلا معلومات، فالترعة ليست شارعاً رئيسياً والقرية تختلف عن المدينة، والحل الحقيقي يكمن في استخدام الأداة المناسبة للمشكلة المناسبة، حيث لا يعد المواطن الإيجابي بديلاً للدولة بل شريكاً لها. إننا لا ندعو المواطن لتقمص دور الشرطي أو المفتش أو المسؤول، بل نطلب منه أن يشاهد المخالفة ويصورها إن كان ذلك آمناً ومسموحاً، ثم يستخدم قناة البلاغ الرسمية ويترك الأمر برمته للجهة المختصة دون شتم أو اتهام أو نشر لأسماء الناس بالظن أو تصنيع قضية من معلومة غير مؤكدة، ليتحول بذلك من متفرج إلى شريك إيجابي يحمي مجتمعه.

وتخيلوا حجم الأثر لو أننا جميعاً قمنا بذلك، فشاركنا منشوراً رسمياً مفيداً تناقله الأصدقاء، فسنساعد المعلومة الصحيحة على الانتشار بدلاً من الشائعة، ومع الوقت نحمي المياه ونحافظ على الترع والمصارف والبيئة ونحد من المخالفات ونساعد الجهات على اكتشاف المشكلات ونرفع تكلفة المخالفة على من تسول له نفسه. لا ينبغي الاستهانة بمشاركة واحدة؛ فهي قد تبلغ شاباً يتعرف لأول مرة على معلومة أو رقم رسمي للبلاغات، أو تردع شخصاً قبل ارتكاب مخالفة، أو تغير سلوك إنسان ظن أن أحداً لا يراه. إننا بحاجة لتغيير ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي بحيث لا نبحث دائماً عن الحوادث والمشاجرات والشائعات والفضائح، بل نبحث عن المعلومة النافعة والإنجاز والتوعية والتحذيرات الرسمية والخدمات العامة، دون أن يعني ذلك تجاهل السلبيات التي يجب كشفها بالمعلومة الصحيحة من مصدرها الموثوق بغرض الإصلاح وليس نشر الرعب والإحباط.

وفي النهاية، إن مشاركة بلدك لا تتحقق بمجرد الكلام عن حبها، بل بمتابعة مصادرها الرسمية، ونشر المعلومة الصحيحة، والإبلاغ عن المخالفة عبر القنوات الرسمية، وتعليم الأبناء والأصدقاء ثقافة المشاركة الواعية، والمساهمة في نشر الإيجابية بعيداً عن ماكينة الشائعات. إن مشاركة واحدة مفيدة منك قد تصنع أثراً لا علم لك به، وإذا فعلها مليون مصري بوعي فستتولد قوة هائلة من مجرد ضغطة زر، لاسيما حين يؤدي كل منا دوره الصحيح في مكانه، لنفخر جميعاً بالمواطن المصري الواعي والإيجابي والمسؤول الذي يخدم وطنه بفعالية. حافظ الله مصر وشعبها وأدام عليها الأمن والأمان والاستقرار والتقدم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني