ثنائية الحب والأمان حين تكتمل دائرة الوجود
بقلم: د. ولاء عابد
تتشابك في رحلة الإنسان السعي الدؤوب نحو الطمأنينة والتطلع الأصيل لإيجاد المرفأ الروحي الذي يهون قسوة العالم وركضه المتواصل.
وفي خضم التجارب وتراكم الخبرات وتصارع المشاعر يدرك المرء أن أثمن المكتسبات وأعظم النعم التي قد تجود بها الحياة ليست تلك التي تقاس بالجاه أو النجاحات المادية العابرة بل هي تلك اللحظة الاستثنائية التي تكتمل فيها دائرة المشاعر الإنسانية في أسمى صورها: أن تحب وأن تُحَب.
إنها المعادلة الروحية الأكمل التي تجعل للوجود معنى وتنقل الكائن البشري من مجرد البقاء والتعايش إلى مرحلة الامتلاء النفسي والتحقق الوجداني الشامل.
إن الشعور بجمال هذه النعمة ينبع من كونها طاقة تبادلية متكافئة تشفي الروح من استنزاف العطاء غير المشروط ومن وحشة العزلة.
فالمرء حين يحب دون أن يجد لحديث قلبه صدا ناضجا يظل أسير تجربة منقوصة تنهك طاقته الوجدانية وتتركه معلقا بين الأمل الخائب والاحتراق الذاتي.
وبالمقابل فإن أن يكون المرء محبوبا ومحاطا برعاية الآخرين دون أن يملك الشغف والقدرة على الحب والافتتاح الروحي يعيش حضورا باهتا وفراغا داخليا يمنعه من استشعار القيمة الحقيقية للوصل.
أما عندما يلتقي العطاء بالقبول والتأثر بالتأثير وتكتمل ثنائية "أن تُحِب وتُحَب" تتخلق حالة من السكينة والسيادة النفسية تجعل الإنسان يستشعر الأمان في أعمق مستوياته.
إن الحب المتبادل الناضج ليس مجرد اندفاع عاطفي مؤقت أو كلمات إعجاب عابرة بل هو بيئة أمان متكاملة يجد فيها المرء المساحة الكافية ليكون ذاته الحقيقية دون خوف من الأحكام المسبقة ودون حاجة لتصنع أقنعة القوة المثالية.
إنه الملاذ الذي يستوعب هشاشة الإنسان قبل قوته ويتفهم لحظات انكساره دون أن ينتقص من قدره أو يسقط هيبته في هذه المساحة الدافئة يتحول القرب إلى دواء وتصبح المشاركة سياجا يصون السلام الداخلي من تقلبات الحياة وضغوطها المتزايدة ذلك لأن القيمة العظمى للحب المتبادل تكمن في أنه يشعر المرء بأنه مرئي بحق ومقدر بذاته ومقبول في كافة تفاصيله.
علاوة على ذلك تعيد هذه النعمة العظمى صياغة نظرة الإنسان للوجود وأساليب تعامله مع العالم الخارجي.
فالإنسان الذي يمتلئ قلبه بالحب المتبادل الموثوق ويستشعر الأمان النفسي في علاقاته الكبرى يخوض معارك الحياة بشجاعة أكبر وروح أهدأ ونفس أكثر تساميا عن الصغائر.
إن الاستقرار الوجداني يمنح الفكر صفاء ونقاء ويحمي المرء من السقوط في مجاهل الريبة وجفاء الخصومة وشحذ الصراعات العقيمة لأن الطاقة النفسية التي كانت تهدر في البحث عن التقدير أو الدفاع عن النفس أصبحت تستثمر في البناء الصادق والعطاء الرصين وإشاعة السلام في كل دائرة يطؤها.
إن الوعي بقيمة "أن تُحِب وتُحَب" هو استدعاء لحقيقة أن أسمى أشكال الثراء الإنساني لا يقاس بما نملكه أو نصل إليه بل بمدى عمق وصدق الأثر الروحي الذي نتبادله مع من نشاركهم الرحلة.
أن نعمل العقل والقلب في صيانة هذه النعمة ونرعاها بالصدق والوفاء والاحترام المتبادل يعني أننا ننحاز لأصالة الحياة ونسترد جوهرها النبيل إيمانا بأن الأرواح التي تجد سكنها الصادق في أرواح أخرى قد حازت أثمن ما في هذا الوجود وغدت عصية على الانكسار أمام حوادث الأيام وركض الأزمان.

تعليقات
إرسال تعليق