المطار… حيث يلتقي الحضن بالدمعة
بقلم /الإعلامية شيرين عبد الجواد
أول ما جيت أمريكا، كان فيه مكان غريب شوية كنت بروحه كل ما يشتد عليَّ الحنين: المطار.
ماكنتش بروحه عشان أسافر، ولا عشان أستقبل حد. كنت بروح عشان أتفرج على الناس اللي جاية، وخصوصًا الرحلات القادمة من بلدي.
كنت أقف أتأمل الوجوه، وأدور وسطها على ملامح مألوفة… ناس شبهنا، وشوش تحسسني إني قريبة من أهلي وبلدي، حتى لو ماعرفش أصحابها.
وأكتر حاجة كانت بتفرحني هي لحظات الاستقبال.
كنت أشوف حد مستني حد غايب عنه، وأشوف اللحظة اللي عينيهم تيجي فيها في عين بعض… الجري، والحضن، والضحكة اللي طال انتظارها، ودمعة فرح مستخبية وسط كل ده.
والغريب إني كنت بفرح لفرحتهم بجد، كأني واحدة منهم. كنت أعيش معاهم اللحظة من بعيد، ويمكن جوايا أمل صغير يقول: لعل يومًا ما أكون أنا اللي واقفة هنا بستقبل حد جاي لي من بلدي.
وماكنش المطار هو المكان الوحيد اللي كنت بدور فيه على ريحة الوطن.
كنت أروح الأماكن العربية، وأحيانًا ماكنتش محتاجة أشتري حاجة أصلًا. كنت محتاجة أشوف ناس شبهنا، أسمع العربي حواليا، وأشوف تفاصيل مألوفة تخلي المسافة بيني وبين بلدي تقصر، ولو لدقائق.
ومع الوقت اكتشفت إن حتى أبسط الأشياء القادمة من مصر بقى ليها عندي معنى مختلف.
لما حد يقولي:
“أنا مسافر مصر… عايزة أجيب لك حاجة؟”
كنت بفرح بالسؤال نفسه قبل ما أفكر أصلًا عايزة إيه.
ممكن أطلب حاجة بسيطة جدًا، فريسكا مثلًا، أو أي حاجة مش موجودة هنا. مش عشان قيمتها، لكن عشان جاية من هناك.
والأجمل لما يكون شخص مش قريب مني قوي، مجرد زميل أو معرفة، ويرجع من زيارة لمصر ويفاجئني ويقول:
“افتكرتك وجبت لك دي.”
الجملة دي لوحدها كانت هدية.
ماكنتش بشوف تمن الحاجة ولا حجمها. كنت بشوف إن إنسانًا افتكرني وهو هناك، وإن حاجة صغيرة قطعت كل المسافة دي ووصلت لي وفيها ريحة البلد.
وكانت بالنسبة لي أغلى من هدايا كتير ممكن يكون تمنها أكبر بكتير.
لكن الغربة مع الوقت علمتني حاجة غريبة جدًا…
إن نفس اللقاء اللي بنتمناه، ممكن نخاف منه.
دلوقتي لما حد عزيز يقرر ييجي يزورنا، بنفرح ونعد الأيام والساعات، لكن في مكان صغير جوانا يبدأ من أول يوم يحسب حساب يوم الرحيل.
نبقى لسه بنستقبل… وإحنا عارفين إن فيه وداع جاي.
وساعات، حفاظًا على قلوبنا، نخاف حتى من الزيارة نفسها.
مش لأننا مش عايزين نشوف اللي بنحبهم، بالعكس… يمكن لأننا بنحبهم أوي.
لكن لأن اللقاء بيفتح أبوابًا جوانا قضينا وقتًا طويلًا نحاول نقفلها عشان نعرف نعيش ونكمل.
الغربة أحيانًا بتخلينا زي الماكينة.
نصحى، نشتغل، نجري، نتحمل المسؤولية ونكمل. ومن بره ممكن الناس تشوفنا أقوياء ومتماسكين، ويمكن أحيانًا يتهيألهم إن مشاعرنا بقت باردة، أو إن الغربة علمتنا الجفاء.
لكن الحقيقة يمكن تكون العكس تمامًا.
إحنا شبه التلج.
من الخارج صلب، ثابت وبارد… لكن كل اللي محتاجه شوية دفء عشان يذوب.
ويمكن المهاجر كده برضه.
يبان قويًا لأنه اضطر يكون قويًا، لكن جواه مشاعر متخزنة، وذكريات مؤجلة، وحنين ساكت… ممكن كلمة، أو حضن، أو حتى هدية بسيطة من ريحة البلد، تلمسهم كلهم مرة واحدة.
وعشان كده المطار بالنسبة لي عمره ما كان مجرد صالة وصول وصالة مغادرة.
المطار مكان غريب بيجمع مشهدين متناقضين في اللحظة نفسها.
على بُعد خطوات، تلاقي أسرة بتضحك وتفتح ذراعيها لحد رجع بعد غياب، وأسرة تانية بتحاول تطوّل آخر حضن قبل السفر.
هنا دموع فرح… وهناك دموع وداع.
هنا شخص بيعد الدقائق عشان يشوف حبيبه… وهناك شخص يتمنى لو الدقيقة الأخيرة ماتخلصش.
نفس المكان، ونفس الطائرات، لكن حكايات القلوب مختلفة.
يمكن دي واحدة من أوجاع المهاجر اللي مش بنتكلم عنها كتير:
إننا نفضل عايشين بين فرحة اللقاء وخوف الوداع…
بين انتظار حد ييجي، والخوف من اليوم اللي هيمشي فيه.
ومع ذلك، بنفضل نستنى الزيارة.
لأن لحظة حقيقية مع اللي بنحبهم، حتى لو كانت مؤقتة، ممكن تتحول بعد سفرهم إلى ذكرى نحطها في أغلى مكان جوانا… ونعيش على دفئها لحد لقاء تاني.
يمكن عشان كده المطار هو المكان اللي يلتقي فيه الحضن بالدمعة… وتلتقي فيه كل أوجاع الغربة وأفراحها في اللحظة نفسها.

تعليقات
إرسال تعليق