القوة في شبابنا».. عندما تتحول الموهبة إلى مشروع وطني

 كتبت:فاطمة القصاص

الثلاثاء 11/أغسطس/2026 

في قاعة المؤتمرات بالمجلس الأعلى للثقافة، لم يكن المشهد مجرد افتتاح دورة جديدة من ورش تدريبية للشباب. كان أقرب إلى محاولة جادة لفتح مساحة واسعة أمام جيل يبحث عن المعرفة، ويريد أن يحول موهبته من مجرد هواية إلى عمل حقيقي يمكن أن يصنع فرقًا.


هنا بدأت فعاليات الدورة الثالثة من مبادرة «القوة في شبابنا»، التي تستمر على مدار ثلاثة أسابيع خلال أغسطس 2026، بمشاركة 515 شابًا وفتاة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا، يمثلون محافظات مختلفة من مصر.


المبادرة تقام تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والقائم بأعمال وزير الثقافة ورئيس المجلس الأعلى للثقافة، وبأمانة الأستاذ الدكتور أشرف العزازي، الأمين العام للمجلس، وإشراف الأستاذ وائل حسين، رئيس الإدارة المركزية للشعب واللجان.


الفكرة الأساسية تبدو بسيطة، لكنها مهمة: أن يجد الشاب الذي يمتلك موهبة في الكتابة أو السينما أو المسرح أو التصوير أو الإعلام، من يأخذ بيده إلى الطريق الصحيح، ويضع أمامه خبرة أصحاب المهنة بدلًا من أن يظل أسير التجربة الفردية والمحاولات المتكررة.


الموهبة وحدها لا تكفي

في كلمته خلال افتتاح المبادرة، تحدث الدكتور عبدالعزيز قنصوة عن الشباب باعتبارهم جزءًا أساسيًا من حاضر مصر وكل مستقبلها، مؤكدًا أن قيمة الإنسان ترتبط بما يحصل عليه من علم ومعرفة وتأهيل مستمر.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية أكبر في زمن تتغير فيه طبيعة المهن نفسها تحت تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

فالآلة تستطيع تنفيذ ما تُعطى إياه من بيانات وأوامر، لكن الإنسان هو الذي يضع الفكرة، ويطرح السؤال، ويمارس النقد، ويقرر كيف يستخدم التكنولوجيا وفي أي اتجاه.


ومن هنا تأتي أهمية بناء عقل إنساني قادر على التفكير، لا مجرد مستخدم لأدوات حديثة.

وفي هذا السياق، أعلن قنصوة عن إطلاق «أكاديمية مهارات المستقبل» من وزارة التعليم العالي خلال العام الجاري، لتكون متاحة للشباب المصري بتكلفة رمزية.


أما الدكتور أشرف العزازي، فأكد أن المبادرة تستهدف ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الآراء، وصقل مهارات الشباب، وإعداد كوادر واعية ثقافيًا وتوعويًا، معتبرًا أن الموهبة وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج إلى المعرفة والانضباط والعمل الجاد.

وهذه ربما تكون واحدة من أهم الرسائل التي تقوم عليها المبادرة: الموهبة بداية الطريق وليست نهايته.


من الهواية إلى الاحتراف

كثير من الشباب يمتلكون أفكارًا جيدة ومواهب حقيقية، لكن المشكلة تبدأ غالبًا عند محاولة تحويل هذه الموهبة إلى ممارسة مهنية.


شاب يكتب القصص، لكنه لا يعرف قواعد السيناريو.

وآخر يصور فيديوهات جيدة، لكنه لم يتعلم أساسيات الصورة والإضاءة.

وثالث يمتلك حضورًا أمام الكاميرا، لكنه يحتاج إلى معرفة أدوات الإلقاء والإعداد وإدارة الحوار.

من هنا تأتي قيمة الورش التطبيقية التي تقدمها المبادرة، والتي يقودها أصحاب خبرة مباشرة في مجالاتهم.


فمن ورشة السيناريو والحوار مع الكاتب ناجي عبدالله، إلى ورشة التصوير مع مدير التصوير محمود علي يوسف، مرورًا بالإخراج المسرحي والسينمائي، والقصة القصيرة، والإلقاء الإعلامي، ومبادئ السوشيال ميديا، يحاول البرنامج أن يضع الشباب أمام التجربة المهنية الحقيقية، لا أمام المعرفة النظرية وحدها.

والفارق كبير بين أن تقرأ عن المهنة وأن تجلس أمام شخص مارسها سنوات طويلة، وتسأله عن أخطائه، وتجرب أمامه، وتحصل على ملاحظاته.


حين تنتقل الخبرة من جيل إلى جيل

ربما تكون إحدى أهم نقاط القوة في «القوة في شبابنا» هي فكرة اللقاء المباشر بين الأجيال.

فالمبادرة لا تضع كبار المفكرين والفنانين والإعلاميين في موقع المحاضر الذي يتحدث من منصة بعيدة، وإنما تفتح مساحة للحوار والنقاش ونقل الخبرة.


وهنا تصبح عملية التدريب أكثر من مجرد نقل معلومات.

إنها عملية «توريث للخبرة» بالمعنى الإيجابي للكلمة؛ خبرة جيل إلى جيل، وتجربة إلى تجربة، بحيث لا يبدأ الشباب من النقطة التي بدأ منها من سبقوهم.


وهذا الدور يزداد أهمية في المجالات الإبداعية التي لا تكفي فيها الكتب وحدها، لأن جزءًا كبيرًا من المعرفة المهنية يتكون من الممارسة، والملاحظة، والنقاش، ومعرفة ما وراء التفاصيل الظاهرة للعمل.

مصر لا تبني قوتها بالأسمنت وحده

في عالم تتنافس فيه الدول على التكنولوجيا والأسواق والموارد، أصبحت العقول نفسها أحد أهم عناصر القوة.


القوة الناعمة لا تبدأ فقط من المؤسسات الرسمية، وإنما من القصة التي يكتبها شاب، والفيلم الذي يصنعه مخرج، والصورة التي يلتقطها مصور، والمحتوى الذي ينتجه صانع محتوى، والبحث الذي يقدمه باحث.

كل هذه الأدوات تستطيع أن تقدم صورة عن مصر، أو أن تدافع عن هويتها، أو أن تفتح نافذة جديدة على تاريخها وثقافتها.


ولهذا فإن الاستثمار في الشباب المبدع ليس ترفًا ثقافيًا، كما أن الصناعات الثقافية لم تعد مجرد نشاط جانبي؛ بل يمكن أن تكون جزءًا من الاقتصاد والقوة الناعمة وصناعة الصورة الذهنية للدولة.


و«القوة في شبابنا» ليست تجربة تبدأ من الصفر في دورتها الثالثة، إذ سبقتها دورتان، وتشير المادة المنظمة للمبادرة إلى أن التجربتين السابقتين قدمتا نموذجًا لاكتشاف شباب لديهم رغبة حقيقية في التعلم والتطور.

الدورة الثالثة تأتي إذن باعتبارها امتدادًا لتجربة تتراكم، وليس مجرد فعالية عابرة.


المبادرة لا تعرف العاصمة وحدها

من النقاط المهمة في التجربة محاولة كسر مركزية القاهرة وإتاحة المشاركة أمام شباب من محافظات مختلفة.

كما تشمل المبادرة شبابًا من ذوي الهمم، بما يفتح المجال أمام قدر أكبر من الدمج ويؤكد أن الموهبة لا ترتبط بمكان أو ظروف اجتماعية محددة.

الفكرة هنا أن معيار الاختيار يجب أن يكون الرغبة في التعلم والقدرة على الاستفادة من التدريب، لا المكان الذي جاء منه الشاب أو ظروفه.

كما أن اختيار الفئة العمرية من 18 إلى 35 عامًا يستهدف مرحلة مهمة من حياة الإنسان؛ مرحلة تتشكل فيها الهوية المهنية، وتتضح الميول، ويبدأ الانتقال من مرحلة التلقي إلى مرحلة المشاركة والإنتاج.


محاضرات تفتح نافذة على السياسة والمجتمع

ولا تتوقف المبادرة عند الورش الفنية والمهنية، إذ تتضمن كذلك سلسلة من «محاضرات اليوم الواحد»، بهدف توسيع دائرة المعرفة والوعي لدى المشاركين.

ومن بين الأسماء المقرر مشاركتها السفير علاء يوسف، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، في محاضرة حول دور الإعلام الوطني في مواجهة الشائعات.

كما تتضمن الفعاليات محاضرات للدكتور زياد عبدالتواب، واللواء سمير فرج، والدكتورة ميرفت أبو عوف، والدكتور أشرف جلال، والدكتورة هبة السمري، وفق الجدول الوارد للمبادرة.


وتكتسب هذه اللقاءات أهميتها من أنها تخرج بالشباب من نطاق تخصصه الضيق إلى دوائر أوسع من المعرفة، فيستمع إلى رؤى تتصل بالإعلام والسياسة والأمن القومي والثقافة والمجتمع.

فالمبدع لا يعيش خارج المجتمع، والكاتب والمصور والمخرج وصانع المحتوى يحتاجون جميعًا إلى فهم البيئة التي يعملون داخلها.


مجانية التدريب لا تعني غياب الجودة

تقدم المبادرة ورشها ومحاضراتها مجانًا، لكن القيمة الحقيقية في التجربة ليست في المجانية ذاتها، وإنما في محاولة تقديم تدريب يعتمد على أسماء وخبرات حقيقية.

فالمحاضرون ليسوا مجرد ناقلين لمادة نظرية، وإنما أصحاب تجارب مهنية يمكن للشباب أن يتعلموا منها.

وهنا تصبح القاعة مساحة لتبادل المعرفة، لا مجرد مكان للحصول على شهادة حضور.


والسؤال الأهم في النهاية ليس: كم شابًا حضر؟

ولكن: ماذا سيصنع هؤلاء الشباب بعد انتهاء الورش؟

هل سيكتب أحدهم سيناريو؟

هل سينتج آخر فيلمًا؟

هل يبدأ ثالث مشروعًا إعلاميًا؟

هل يتحول صاحب الموهبة إلى محترف قادر على العمل والإنتاج؟

هذه هي الأسئلة التي تقيس الأثر الحقيقي لأي مبادرة تستهدف بناء الإنسان.


من التدريب إلى الاحتضان

المرحلة الأهم ربما تبدأ بعد انتهاء الأسابيع الثلاثة.

فإذا كانت المبادرة تريد أن تتحول من برنامج تدريبي إلى منظومة لاكتشاف الكوادر، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون الاحتضان والاستمرار.

ومن المفيد أن يكون هناك مسار واضح للمتميزين من خريجي الدورات، يسمح لهم بالمشاركة في تنظيم الفعاليات، والمساعدة في الورش، والمساهمة في الأنشطة الثقافية، والاستفادة من البرامج والمشروعات التي ينظمها المجلس الأعلى للثقافة.


بهذه الطريقة لا تنتهي العلاقة بين الشاب والمبادرة بمجرد انتهاء الدورة، وإنما تبدأ مرحلة جديدة يمكن فيها اختبار ما تعلمه وتطويره وإعطاؤه فرصة حقيقية للممارسة.

فالهدف النهائي ليس تخريج متدرب جديد، وإنما اكتشاف كادر يمكن أن يصبح جزءًا من المشهد الثقافي والإبداعي المصري.


الوعي لا يصنعه موسم واحد

«القوة في شبابنا» تحتاج كذلك إلى الاستمرار والتوسع.

فورش الثقافة والفنون والإعلام والتكنولوجيا والوعي المجتمعي لا ينبغي أن ترتبط بموسم واحد أو دورة واحدة.

كلما اتسعت دائرة الوصول إلى الشباب، زادت فرص اكتشاف المواهب، وتنوعت الخبرات، ووصلت المعرفة إلى مناطق ومحافظات قد لا تصل إليها المؤسسات التدريبية التقليدية.

وفي عصر أصبحت فيه الشاشات مصدرًا أساسيًا للمعلومة والتأثير، فإن بناء عقل نقدي قادر على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين المحتوى الجيد والمحتوى المضلل، أصبح جزءًا أساسيًا من بناء الإنسان.

وهنا يلتقي التدريب الثقافي مع قضية الوعي.

فالشاب الذي يعرف كيف يبحث ويتحقق ويناقش، هو أكثر قدرة على إنتاج محتوى مسؤول، وأكثر قدرة على التعامل مع موجات التضليل والاستقطاب التي تفرضها البيئة الرقمية.


القوة الحقيقية في الإنسان

في النهاية، تبدو «القوة في شبابنا» أكبر من مجرد عنوان لمبادرة أو دورة تدريبية.

إنها محاولة لوضع الشباب في قلب العملية الثقافية، لا على هامشها.

515 شابًا وشابة يبدأون تجربة جديدة، وبينهم من قد يصبح كاتبًا أو مخرجًا أو إعلاميًا أو باحثًا أو صانع محتوى، وربما يذهب بعضهم إلى مجالات لم يتوقعها لنفسه اليوم.

المهم أن يجد هؤلاء من يفتح لهم الباب، ويمنحهم المعرفة، ويضع أمامهم الخبرة، ثم يترك لهم مساحة العمل والإبداع.

الدولة تستطيع أن توفر المنصة، والمؤسسات تستطيع أن تقدم الخبراء، لكن الجزء الأكبر من الرحلة يبقى في يد الشباب أنفسهم.


فالهدف ليس أن يظل الشاب مستهلكًا للترند، وإنما أن يصبح صانعًا للمحتوى والمعرفة.

ليس مجرد متلقٍ للثقافة، وإنما مشاركًا في صناعتها.

وليس مجرد شاهد على تاريخ بلاده، وإنما قادرًا على رواية هذا التاريخ بأدوات العصر.

وفي النهاية، فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من المباني ولا ينتهي عند المعدات.

القوة لم تكن يومًا في الحجر وحده.. القوة الحقيقية في الإنسان، وفي عقل شاب يجد فرصة ليتعلم، وموهبة تجد طريقًا، وفكرة تجد من يساعدها على أن تتحول إلى عمل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني