ترامب وأوكرانيا.. قراءة متعمقة في بوصلة التحولات الأمريكية على ضوء مقال اللواء د. سمير فرج
إعداد وتحليل /منى منصور السيد
يطالعنا معالي اللواء الدكتور سمير فرج في مقاله الأسبوعي الأخير بسؤالٍ بالغ الأهمية يشق طريق الحيرة نحو مستقبل السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا: هل بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التخلي عن دعم أوكرانيا؟ والحقيقة أن أهمية مقال اللواء سمير فرج لا تكمن فقط في الإجابة التي يطرحها بين طياته، وإنما في كونه مفتاحاً يفتح الباب على مصراعيه أمام قراءة أوسع للتحولات الجارية في الاستراتيجية الأمريكية حيال الحرب الروسية الأوكرانية، ومن هنا يأتي هذا المقال بوصفه تحليلاً عميقاً لتلك الرؤية، لا إعادة كتابة لمقاله أو تقديم رؤية منفصلة عنه، بل سعياً حثيثاً لقراءة المعطيات التي استند إليها، ومقارنة مساراتها، واستخلاص ما تعنيه حقاً لمستقبل الدور الأمريكي في أتون هذه الحرب، دون أن ينفصل عن تتبع السياق الأوسع للتحولات الدولية.
وينطلق الكاتب من ملاحظة أساسية مفادها أن السياسة الأمريكية تجاه كييف قد شهدت تحولاً نوعياً واضحاً؛ فمن ناحية تلوح في الأفق مؤشرات تراجع الدعم العسكري المباشر، وتباطؤ بعض المساعدات، ورغبة واضحة في أن تتحمل العواصم الأوروبية مسؤولية أكبر في تمويل وتسليح أوكرانيا، ومن ناحية أخرى لا تزال واشنطن حاضرة بقوة في مشهد الملف، سواء عبر الاتصالات المباشرة مع القيادة الأوكرانية، أو التعاون الدفاعي المستمر، أو الضغط المتواصل على موسكو، ومحاولة دفع الطرفين نحو طاولة التفاوض. وهنا يكمن عمق السؤال حول ما إذا كان ما نشهده انسحاباً أمريكياً تدريجياً أم إعادة تعريف للدور الأمريكي، ويميل التحليل المعمق للمعطيات نحو الاحتمال الثاني، حيث لا تبدو إدارة ترامب راغبة في الاستمرار بنمودج الدعم المفتوح الذي طبع مرحلة الإدارة السابقة، لتسعى الولايات المتحدة بذلك إلى تقليل تكلفة الانخراط المباشر دون أن تفقد قدرتها المحورية على التأثير في نتيجة الحرب، وهو فارق استراتيجي فاصل بين الدولة التي تسعى إلى انسحاب كامل وتقليص حضورها السياسي والعسكري والتفاوضي، وبين تلك التي تعيد هندسة نفوذها عبر تقليل الدعم المباشر مع الحفاظ على مفاتيح التأثير، لتنتقل واشنطن بذلك من موقع الممول الرئيسي إلى رحاب الوسيط والضاغط وصاحب النفوذ الاستراتيجي.
وفي خضم هذه القراءة، يتوقف المرء مطولاً أمام قرار السماح لأوكرانيا بتصنيع صواريخ باتريوت محلياً، باعتباره مؤشراً دالاً على استمرار الالتزام الأمريكي وتزام واشنطن تجاه كييف، ورغم أن هذه الإشارة بالغة الأهمية، إلا أنها لا تعني تحولاً فورياً يغير واقع المعركة الحالي، فالتنافس والدفاعات المتقدمة تقتضي سنوات من بناء القدرات، ونقل التكنولوجيا، وتوفير خطوط الإنتاج والتدريب وسلاسل الإمداد، لتتجاوز أهمية الخطوة أثرها العسكري الآتي نحو تأسيس شراكة دفاعية تعتمد على الصناعة الأوكرانية ذاتها عوضاً عن استمرار إرسال العتاد الأمريكي الجاهز للجبهة، على ألا نغفل أن تطورات لاحقة أظهرت أن بعض مفاصل نقل التكنولوجيا ظلت حبيسة التردد الأمريكي لحماية الأسرار التكنولوجية العسكرية الحساسة.
بالتوازي مع ذلك، يتوقف المقال عند رحيل السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، باعتباره أحد أبرز الأصوات المؤيدة لأوكرانيا داخل الكونجرس، وهو غياب يمثل خسارة سياسية حقيقية لكييف لجهة الضغط لتشديد العقوبات واستمرار الدعم، غير أن التحليل الأوسع يجلجل بحقيقة أن القضية تتجاوز الأشخاص، بدليل استمرار الحراك داخل مجلس الشيوخ نحو تشريعات أكثر صرامة تجاه روسيا، مما يؤكد أن ضعف بعض الأصوات المؤيدة لأوكرانيا لا يعني فجأة اختفاء المصالح والمؤسسات والسياسات التي تحرك دواليب الضغط المستمر على موسكو.
ويزداد المشهد جلاءً حين نتأمل مسألة العقوبات الأمريكية على روسيا؛ فلو صح التخلي الأمريكي التام لما استقام استمرار التحرك السياسي داخل الكونجرس باتجاه تشديد الضغط على موسكو، بل إن الصورة أكثر تعقيداً حيث قد تكون الولايات المتحدة مستعدة لتخفيف بعض الإجراءات حين تتعارض مع مصالح اقتصادية أو طاقة أمريكية، بينما تحتفظ بخيار استخدام العقوبات الأشد قوة للضغط على روسيا، لتصبح العقوبات جزءاً من صندوق أدوات تفاوضي واستراتيجي متكامل وليس لمجرد معاقبة موسكو.
وفي السياق ذاته، يأتي تحسن العلاقة بين ترامب وزيلينسكي مقارنة بفترات التوتر السابقة ليعكس رغبة واشنطن في عدم قطع حبل الوصال وعودة اللقاءات والاتصالات، دون أن نخلط بين تحسن الاتصال السياسي وبين تطابق الرؤى؛ فترامب ينشد الوصول إلى نهاية للحرب، بينما تسعى أوكرانيا لنهاية الحرب مقرونة بضمانات أمنية وسياسية تمنع تكرار السيناريو مستقبلاً، ولروسيا حساباتها المعقدة المختلفة تماماً، وهو ما يجعل وجود حوار بين واشنطن وكييف لا يعني بحال أن درب التسوية أصبح سهلاً.
وبين هذا وذاك، تجد أوروبا نفسها بين منزلتين؛ مستفيدة وخاسرة في آن واحد، حيث يمثل هذا التحول الأمريكي فرصة لدفع أوروبا لبناء قدرة دفاعية أكبر وتقليل اعتمادها على واشنطن، وفي المقابل يحمل مخاطر وضع الحكومات الأوروبية أمام ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة تجعل مستقبل الدعم الأوروبي مؤشراً محورياً للمرحلة المقبلة. وعند جمع هذه النقاط التي يناقشها اللواء سمير فرج مع التطورات اللاحقة، تتشكل الصورة الكاملة بوضوح؛ فترامب لا يتجه نحو التخلي الكامل عن أوكرانيا، وفي الوقت ذاته لا يريد العودة لنموذج الدعم غير المحدود، لتتلخص السياسة الجديدة في أربعة اتجاهات رئيسية: تقليل العبء المالي والعسكري المباشر على الولايات المتحدة، ودفع أوروبا لتحمل مسؤولية أكبر، وإبقاء أدوات الضغط على روسيا مفتوحة وعلى رأسها العقوبات، واستخدام المفاوضات والضغط المتبادل للوصول إلى تسوية شاملة، وهنا تكمن القيمة الكبرى لمقال اللواء سمير فرج الذي يرفض التعاطي مع المسألة كقرار ثنائي مطلق بين أمريكا مع أوكرانيا أو ضدها، فاتحاً الأبواب أمام فهم التحول الحقيقي في الاستراتيجية الأمريكية.
ويتجسد السيناريو الأرجح في حال استمرار الاتجاهات الحالية في إعادة تموضع واشنطن لا خروجها من الملف الأوكراني، حيث ستظل واشنطن لاعباً رئيسياً تسعى لتقليل كلفة دورها عبر دعم انتقائي وتعاون دفاعي وتقني محدد وضغط متزايد على موسكو يوازيه ضغط على كييف للانخراط في التسوية، فإن رفضت روسيا التفاوض واستمر التصعيد عادت واشنطن لاستخدام أدوات ضغط أقوى، وإن نجحت المفاوضات حققت تقدماً حانت لحظة تقليص الدعم العسكري المباشر.
وتأتي الخلاصة لتؤكد أن ما يحدث ليس تخلياً كاملاً بقدر ما هو إعادة صياغة للدور الأمريكي؛ إذ لم تعد واشنطن ترغب في أن تكون الممول الرئيسي للحرب دون أن تفقد مفاتيح التأثير في نتيجتها، وهذا هو جوهر التحول الذي يجعل من سؤال اللواء سمير فرج نافذة مفتوحة على مرحلة جديدة لن يكون السؤال فيها مجرد استفسار عمن يملك السلاح، بل عمن يملك القدرة على الضغط، ومفاتيح التفاوض، والقدرة على تحمل تكلفة أمد الحرب حتى نهايتها، وهي المعادلة الكبرى التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة برمتها.


تعليقات
إرسال تعليق