الكرسي الصامت
كتبت /زهراء الزبيدى
استيقظتُ في صباحٍ دافئ، لكن داخلي كان عاصفة لا تهدأ
لم يبقَ في الغرفة سوى ملابس معلّقة في الخزانة، ورائحة عطرٍ غريب ما زالت عالقة بالباب، شاهدة على من أغلقه ورحل بلا وداع. رحل، وترك خلفه صمتًا ثقيلًا وفراغًا لا يُحتمل
كعادتي، حملت ابنتي الصغيرة إلى حضني، والتصقتُ بكرسيّي المتحرّك كأنني أتشبث بقاربٍ وسط طوفانٍ هائج.
كانت هي طوق النجاة الوحيد، لكن النجاة نفسها باتت ثقيلة
أخذتُ نفسًا عميقًا قبل أن أخرج من المنزل، أستعد لمواجهة يوم آخر من التعب والضغوط
كل خطوة كانت ألمًا، كل حركة تعبًا، وكل مهمة كانت معركة صعبة.
في المدرسة، وضعتُ ابنتي على الكرسي بجانبي، وتناولت الحبوب التي تساعدني على تحمل الألم
بدأتُ بتنظيف المراحيض، واحدة تلو الأخرى، أراقب الحواف والزوايا، أحرك الدلو وأمسح الأرضيات
ثم انتقلت إلى الساحة، حيث يلعب الأطفال، يركضون ويضحكون، يلوحون بأعلام صغيرة ويغنون: وطني، وطني.
كنتُ أحاول أن أبتسم، لكن قلبي كان يغرق في خيبةٍ لا نهاية لها
حين التفتُّ إلى الشرخ في عجلة كرسيّي، شعرت أنه يختصر كل خساراتي
سألت نفسي: لماذا؟ لماذا دائمًا أنا؟
وفجأة ضربني المشهد.
كأنني سقطتُ من هاوية الحاضر إلى قاعٍ بعيد
لم أعد أسمع صياح الأطفال، ولا صدى الأجراس، ولا صراخ المديرة
كنتُ هناك… في الملجأ
حديقة صغيرة باردة، جدرانها رطبة وموحشة. فجأة ظهر هو، يحمل وردة في يده، يقترب مني بابتسامة لم أرَ مثلها من قبل. قال بهدوء:
صباح الخير يا نعمة.
تجمّدت. سألت نفسي: هل اختارني حقًا من بين الزحام؟ أم كنتُ مجرد خيار عابر في زمن فراغه؟
كل صباح كان يتركني بزهرة على طبقٍ صدئ، ومعها يترك رجفةً في قلبي لم أعرف كيف أتعامل معها.
كنت أراه خلاصًا من الغربة، دفئًا غريبًا يوقظ روحي من موتٍ طويل.
اختطف قلبي، ثم اختفى. أيام مضت وأنا أبحث عن ملامحه بين وجوه الغرباء، حتى عاد فجأة، يحمل أوراقًا ويعمل في الدار
كان ظهوره مثل برقٍ مزّق سماءً مظلمة. عاد إليّ وكأن الحياة عادت.
في كل جمعة كان المرضى يستقبلون عوائلهم، إلا أنا… كنتُ أظل وحيدة.
هو فقط من لاحظ وحدتي، ومنحني شيئًا يشبه الانتماء.
اتفقنا أن نبقى معًا، فصار هو يدي التي تدفع بها غربتي، وهواءً يقذفني بقوة إلى الأمام
بنيتُ معه بيتًا صغيرًا، لكنه كان بالنسبة لي أركان عائلة كاملة
لكن الحياة لم تتوقف عن اختبار قوتي…
رنّ الجرس فجأة
ارتجفتُ، فعدتُ للحاضر
رائحة المنظفات الخانقة، المرحاض المتسخ، وصوت المديرة يصرخ في وجهي
ـ ألم تنظفيه جيدًا؟
حاولت رفع الكرسي، لكنه انقلب بي وسقطتُ على الأرض
مددتُ يدي أبحث عن شيء أتمسّك به، لكن الأرض كانت أوسع من احتمالي.
كل حركة كانت صراعًا بين الألم والعزيمة، بين الاستسلام والقيام مرة أخرى
سمعتُ أصوات الأطفال تختلط مع صوته القديم: صباح الخير يا نعمة.
رائحة المنظفات تحوّلت فجأة إلى عبير وردته الأولى
حتى وقع خطوات التلاميذ صار يشبه دقات قلبي حين كان يقترب مني في الحديقة
كل شيء التبس الحاضر ابتلع الماضي، والماضي غرق في الحاضر.
لم أعد أرى المديرة، ولا الكرسي، ولا المرحاض المتسخ
كنتُ وحدي… محاصَرة بين جدران تنهار ببطء، وأصوات تتسابق داخلي، تمزّقني إلى أشلاء
شعرتُ أن الشرخ في عجلة الكرسي يكبر… يكبر… حتى كاد يبتلعني تمامًا.
لكنني تذكّرتُ ابنتي
كتمتُ الأصوات في داخلي، وابتلعتُ صرختي.
مسحتُ دموعي بيدي، وتمسكتُ بالكرسي بكل ما تبقى لي من قوة.
نهضتُ ببطء… لم أكن بخير، لكنني كنتُ واقفة.والوقوف كان أنتصاري الأخير

تعليقات
إرسال تعليق