على عتبة البارود
كتب /أحمد عبدالله الزنگنة
لا تغشنك هذه الصلابة الظاهرية، ولا هذا السكون الذي يبدو للعابرين كأنه استراحة محارب طالت أكثر مما ينبغي، أو نومة جسد قرر أن يصالح الأرض على طريقته الخاصة.
قد أبدو لك هادئاً كسطح بحيرة ميتة كلما اختزلتني في نظرة عابرة؛ نظرة تقرأ الملامح وتتجاهل العمق، وترى في الثبات قناعة، وفي القعود المكروه تسليماً لطيفاً بالقدر. لكن الحقيقة التي لا تستوعبها هذه الجدران الراكدة هي أني لا أملك من السكينة سوى قناعها، وأني أخفي تحت هذا الهيكل المقيد حراكاً لا يهدأ، وأحمل أحزاني كلها في كومة من بارود؛ كومة هشّة جداً، تكتفي بشعلة واحدة كي تنفجر وتعيد ترتيب الفوضى على هواها.
إنه لمن السخرية المريرة أن يظن العالم أن عدم القدرة على الركض معهم يعني زهداً في السباق، أو أن الجلوس القسري هو ترف الممارسة الفلسفية. يطرزون حديثهم معي بكلمات الصبر والقوة والألق، يعاملونني كتمثال رخامي أقيم في المنتصف ليمثل الثبات، بينما كل ما فيّ يستغيث من ثقل المشهد. أبتسم لهم بسخرية خفية، كي لا أروع ثقتهم العمياء بهذا "الوداع الصامت" الذي يرونه فيّ، وأتركهم يعتقدون أن القفص هو الاختيار.
وأعلم — بكل الوضوح العبثي ممکن — أن هذا الانفجار المؤجل سيأتي، ولكنه سيأتي متأخراً بما يكفي؛ بعد أن تكون الأيام قد حسمت جولتها، وبعد أن يُنفى بعض أهم أحلامي إلى هامش عدم، تلك الأحلام التي كانت تحتاج فقط إلى قليل من الخطوات الحرة لتصبح واقعاً. سينفجر البارود لا ليحرر الجسد، بل ليعلن أن الحريق قد اكتمل في الوقت الخاطئ، ليسخر مني ومن أمنياتي التي ظلت تنتظر معجزة على عتبة الكرسي والمكان.
وأهم من هذا كله، وأشد ما في الأمر سخرية، أنني حين ينفجر كل شيء لن أصدر صراخاً ولا عويلاً، بل سأبتسم. سأبتسم ابتسامة هادئة وباردة، لا لأنني تجاوزت الخراب أو انتصرت عليه، بل لأنني، ببساطة متناهية، أكون قد فقدتُ القدرة على الشعور.
سأصل إلى تلك المرحلة الفائقة من الخدر، حيث يستوي الألم والعدم، وحيث تتحول الفجائع إلى مجرد مشاهد عابرة أرقبها من بعيد كأنها تخص شخصاً آخر. ابتسامتي حينها لن تكون سوى لوحة إعلان شاحبة تُخبر هذا العالم المكتظ بالركض والضجيج أن أدوات تعذيبه قد فقدت فاعليتها، وأن الروح التي حاول إرهاقها قد أُفْرِغَتْ تماماً من حسّها، فلم يعد في مقدور الشعلة أن تحرق ما أصبح بالفعل رماداً.

تعليقات
إرسال تعليق