الشفاء الإلهي الذاتي تأملات إيمانية



بقلم /د. عبد الحكيم المغربي

مستشار ومفكر إسلامي


يقول الله سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:


﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

[الشعراء: 80]


هذه الآية العظيمة تختصر حقيقة راسخة في عقيدة المسلم: أن الشفاء بيد الله وحده، وأن الطبيب والدواء وسائر الأسباب ليست إلا وسائل جعلها الله في هذا الكون، أما الشافي الحقيقي فهو الله سبحانه وتعالى.


ولذلك ينبغي للمؤمن أن يطمئن قلبه إلى خالقه، وأن يعلم أن الله أرحم به من نفسه، وأنه سبحانه هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه وما يضره، قال تعالى:


﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

[الملك: 14]


ومن هنا تأتي أهمية الرجوع إلى «الكتالوج الرباني»؛ أي إلى هدي الله وتعاليمه التي تنظم حياة الإنسان في عقيدته وعبادته وأخلاقه وصحته، مع الأخذ بالأسباب التي أتاحها الله لنا.


الله هو الشافي… والأسباب من سننه


إن الإيمان بأن الله هو الشافي لا يعني أن نهجر الطبيب أو نرفض الدواء، وإنما يعني ألا يتعلق القلب بالأسباب وينسى مسبب الأسباب.


وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:


«تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً».


وهذا يبين أن التداوي لا يتعارض مع التوكل على الله، بل إن الأخذ بالأسباب من هدي الإسلام.


فالطبيب يعالج، والدواء يُستعمل، والغذاء النافع يُتناول، ولكن لا الطبيب ولا الدواء ولا الغذاء يملكون الشفاء استقلالًا عن إرادة الله وقدرته.


أجسادنا… آية من آيات الخالق


حين يتأمل الإنسان في جسده يكتشف أمامه عالمًا بالغ التعقيد والدقة. فجسم الإنسان يتكون من عشرات التريليونات من الخلايا، ولكل خلية وظائفها وآلياتها الدقيقة، كما يمتلك الجسم أجهزة دفاع وإصلاح وتجدد تعمل باستمرار بإذن الله.


وهذا كله يدعونا إلى التفكر في قول الله تعالى:


﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

[التين: 4]


فالإنسان ليس مجرد جسد، وإنما هو بناء بالغ الدقة والإحكام، وكلما ازداد العلم كشفًا لأسرار هذا الجسد، ازداد المؤمن يقينًا بعظمة الخالق سبحانه وتعالى.


وعندما يصاب الإنسان بالمرض، فإن الجسم يمتلك بالفعل آليات طبيعية للمقاومة والإصلاح والتجدد، ولكن هذه الآليات ليست بديلًا عن العلاج الطبي عند الحاجة؛ بل هي من السنن التي أودعها الله في خلقه.


الصيام… عبادة وهداية وأسلوب حياة


ومن أعظم العبادات التي شرعها الله للمسلمين الصيام، قال تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[البقرة: 183]


فالأصل في الصيام أنه عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله، وتهذيب للنفس وتربية للإرادة، وليس مجرد وسيلة علاجية.


وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يومي الاثنين والخميس، وثبت عنه استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر الهجري.


ومن الناحية الصحية، تشير الدراسات الحديثة إلى فوائد محتملة لبعض أنماط الصيام وتنظيم أوقات الطعام، لكن ذلك يختلف باختلاف الإنسان وحالته الصحية، ولذلك لا ينبغي تحويل الصيام إلى وصفة عامة لعلاج الأمراض أو إلى بديل عن العلاج الذي يحتاج إليه المريض.


التوازن بين الإيمان والطب


إن أجمل ما في المنهج الإسلامي أنه لا يضع المؤمن أمام خيارين متعارضين: إما الإيمان بالله وإما الأخذ بالطب.


بل يعلمنا الإسلام أن نجمع بين الأمرين:


قلبٌ متعلق بالله، وعقلٌ يأخذ بالأسباب.


ندعو الله بالشفاء، ونراجع الطبيب عند الحاجة، ونأخذ الدواء الموصوف لنا، ونحافظ على الغذاء المتوازن والنوم والحركة والصيام المشروع، ونتجنب ما يضر أجسادنا.


وفي كل ذلك يبقى يقيننا ثابتًا:


﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾


فالدواء سبب، والطبيب سبب، والغذاء سبب، والصيام عبادة عظيمة قد تكون له فوائد صحية، لكن الشفاء أولًا وآخرًا من الله سبحانه وتعالى.


وليس التوكل أن نترك الأسباب، كما أن الأخذ بالأسباب لا يعني أن ننسب إليها ما لا تملكه. وإنما التوكل الحقيقي أن يأخذ الإنسان بالأسباب المشروعة، وقلبه معلق بمسبب الأسباب.


وفي عالم تزداد فيه تجارة الدواء وتتعاظم فيه تكاليف العلاج، تظل أعظم رسالة يستطيع المؤمن أن يحملها هي أن يتعلم كيف يحافظ على جسده الذي ائتمنه الله عليه، وأن يلتزم بما ينفعه، ويبتعد عما يضره، ويستعين بالله في كل أحواله.


إنها دعوة إلى الإيمان، والوقاية، والاعتدال، والأخذ بالأسباب، وحسن التوكل على الله.


نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على مرضانا ومرضى المسلمين والإنسانية جمعاء بالصحة والعافية، وأن يشفي كل مريض شفاءً تامًا لا يغادر سقمًا.


﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني