المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس
كتب /م. أحمد مختار
في قريتنا الحبيبة قلبا، لم يكن الأثر دائمًا مرتبطًا بمنصب كبير أو وظيفة مرموقة؛ فهناك رجال عاشوا بين الناس، وخدموا مجتمعهم، وشاركوا في العمل العام، وتركوا مواقف تستحق أن تحفظها الذاكرة.
ومن هؤلاء الرجال المهندس مصطفى ناجي أحمد، رحمه الله، أحد أبناء قلبا الذين جمعوا بين الثقافة والعمل وخدمة الناس، وكان له حضور في الحياة العامة والسياسية والمحلية، إلى جانب موقفه الوطني والفكري في واحدة من أصعب الفترات التي مر بها صعيد مصر.
وُلد المهندس مصطفى ناجي عام 1955، ونشأ في قلبا، وتخرج في الإرشاد والتعاون عام 1986، ثم عمل في قطاع الصحة، وتدرج في العمل الوظيفي حتى أصبح مديرًا عامًا لإحدى الإدارات بقطاع الصحة.
ولم تكن حياته محصورة في الوظيفة؛ فقد كان عضوًا في منظمة الاتحاد العربي الاشتراكي، وعضوًا في مجلس محلي المركز لعدة دورات متتالية، كما شارك في العمل الحزبي على مستوى المركز، وكان قريبًا من قضايا الناس ومشكلاتهم.
وفي عام 1992، خاض تجربة سياسية مهمة عندما ترشح لانتخابات مجلس الشورى في مواجهة الأستاذ عبد العال الجارحي، ثم تنازل له عن الترشح، في موقف يعكس جانبًا من شخصيته وحضوره في الحياة العامة.
سنوات صعبة في صعيد مصر
كانت سنوات التسعينيات من أصعب الفترات التي عاشها صعيد مصر، وخاصة المنيا وأسيوط، حيث انتشرت أعمال العنف المرتبطة بالتطرف والجماعات المسلحة، وعاش المجتمع حالة من الخوف والقلق.
وفي تلك الظروف، اختار المهندس مصطفى ناجي أن يقف بوضوح إلى جانب الدولة والوطن، ويرفض الفكر المتطرف والعنف. وكان يناقش الشباب، رغم اختلافه معهم، وكانوا يكنون له الاحترام، حتى في وقت كان فيه المختلف مع أصحاب الفكر المتطرف قد يتعرض للخطر.
وكان معروفًا للجميع؛ في بيته، وفي أماكن وجوده وسهره في قلبا وملوي ونقابة المعلمين بملوي، ولم يكن يخفي موقفه.
والأهم أنه لم يكن يكتفي بالكلام؛ فقد تدخل في الإفراج عن عدد من الشباب من خلال التواصل مع أجهزة الأمن وغيرها، لأنه كان محبًا لأهله، ويخشى على الشباب من أن تقودهم أفكارهم إلى طريق لا رجعة فيه.
لم يكن يرى أن الاختلاف في الفكر أو السياسة مبرر للقتل أو التهديد، وكان يؤمن بأن الحفاظ على الوطن ومؤسسات الدولة، ومواجهة التطرف، تبدأ بالوعي والثقافة والتمسك بالقانون.
وقد كلفه موقفه ثمنًا اجتماعيًا، وتعرض للاتهام بأنه موالٍ للدولة أو متعاون مع أجهزة الأمن، لكنه لم يتراجع عن قناعته؛ فقد كان يرى أن الوطن أكبر من الخلافات، وأن الدولة لا تُبنى بالفوضى والعنف.
وهنا تظهر قيمة الشجاعة؛ فالشجاعة الحقيقية أن يتمسك الإنسان بما يؤمن به عندما يكون التراجع أسهل.
رجل جمع بين العمل والثقافة وخدمة الناس
لم يكن مصطفى ناجي رجل سياسة فقط، ولا موظفًا يؤدي عمله وينتهي دوره بانتهاء ساعات العمل. كان رجلًا مثقفًا، مهتمًا بالشأن العام، وقريبًا من قضايا الناس.
اجتمعت في شخصيته عدة جوانب: المهندس، والموظف العام، والعضو المحلي، والسياسي، والمثقف، والإنسان الذي يحمل هم وطنه وقريته.
مصطفى ناجي... كما عرفته
أما أنا، فشهادتي فيه شخصية؛ فهو خالي، وابن عم أمي، وعرفته عن قرب، ولذلك لا أكتب عنه كشخصية بعيدة، وإنما أكتب شهادة محبة ووفاء لرجل ترك أثرًا في أسرتي وفي ذاكرة قريتنا.
كنت أراه رجلًا مثقفًا، قوي الشخصية، محبًا لوطنه، ومتمسكًا بما يؤمن به.
وقد انعكس حبه للوطن على أبنائه، فرباهم على احترام الدولة والجيش ومؤسسات الوطن، وعلى قيمة العمل والالتزام وحسن التعامل مع الناس.
ومن أبنائه الأستاذ أحمد مصطفى، والأستاذ عمر مصطفى، والأستاذ زياد مصطفى، وهم امتداد لأسرة نعرف عنها الأدب والاحترام وحسن التعامل.
رحل مبكرًا... وبقي أثره
رحل المهندس مصطفى ناجي عام 2010، عن عمر يقارب خمسة وخمسين عامًا، بعد حياة حافلة بالعمل والمشاركة وخدمة المجتمع.
ونحن لا نكتب عن موظف في الصحة أو عضو في مجلس محلي أو مشارك في العمل السياسي فحسب، وإنما عن ابن من أبناء قلبا عاش زمنًا صعبًا، وخدم مجتمعه، واتخذ موقفًا واضحًا من التطرف والعنف، ودفع ثمنًا اجتماعيًا لموقفه، لكنه لم يتخلَّ عن قناعته.
فالتاريخ لا يصنعه المشاهير وحدهم؛ فهناك رجال من القرى الصغيرة كانوا جزءًا من تاريخ وطنهم، وخدموا أهلهم، واتخذوا مواقف في لحظات كان فيها اتخاذ الموقف يحتاج إلى شجاعة.
ذاكرة تستحق أن تبقى
اليوم، وبعد سنوات على رحيله، تبقى مسؤوليتنا أن نحفظ سيرته كما عرفه أهله وأبناؤه وأصدقاؤه وأبناء قريته.
ومن حق الأجيال الجديدة في قلبا أن تعرف أن من أبناء قريتها رجالًا شاركوا في العمل العام، وخدموا الناس، وواجهوا ظروفًا صعبة، وكان لهم موقف عندما كان الصمت أكثر راحة وأمانًا.
وربما يكون أعظم ما نتركه للأجيال ليس المال ولا المناصب، وإنما السيرة الطيبة والمواقف التي تثبت أن الإنسان يستطيع أن يختلف دون أن يكره، وأن يواجه التطرف دون أن يتحول إلى متطرف، وأن يخدم وطنه ومجتمعه من موقعه.
رحم الله المهندس مصطفى ناجي، وغفر له، وجزاه عن أهله وأبناء قريته خيرًا، ورحم الله كل رجال قلبا الذين رحلوا عن دنيانا وبقيت مواقفهم وسيرتهم الطيبة بين الناس.
فهؤلاء هم «أعلام من قريتنا»... رجال رحلوا، لكنهم تركوا خلفهم ما يستحق أن يُروى.

تسلم ايدك يارب
ردحذفالله يرحمك يا خال
ردحذفشكرا جدا علي كل الي دخل - وشاف المقال
ردحذف