ما لا يقوله الأطفال.. تحكيه لارا الحلقة الأولى: «أنا مش عنيدة.. أنا بس عايزة حد يفهمني» ( قراءة سلوك الأطفال من منظور نفسي إنساني)

 

بقلم الدكتورة/ روحية عاطف محي الدين

مع الطفلة لارا

مدرس العلوم النفسية بكلية التربية للطفولة المبكرة – جامعة المنصورة

المشهد الأول: صرخة لم يسمعها أحد

مطبخ البيت في صباح يوم عادي. الأم منشغلة بتحضير الفطور، لارا تقف بجانبها وتحاول جذب انتباهها.

لارا: "ماما! ماما! شوفي اللي عملته في المدرسة!"

الأم (بدون أن ترفع رأسها): "كويس يا لارا. روحي البسي الزي."

لارا: "لا ماما! أنتِ ما شُفتِ! أنا رسمت حاجة جميلة قوي!"

الأم (بنفاد صبر): "لارا! أنا مشغولة. ليه بتكوني عنيدة كده؟ جملي شوية وروحي البسي الزي!"

تقف لارا لحظة طويلة. عينيها تتسع، ثم تنظر للأرض. تضع الرسمة على الطاولة وتمشي بصمت.

ما الذي لم تقله لارا؟

في تلك اللحظة، كانت لارا تريد أن تقول أشياء كثيرة لم تستطع قولها:

أنا لست عنيدة.. أنا فقط بحاجة لتشعري أنني مهمة

لارا لا تصرخ للفت الانتباه عبثاً. كل محاولة إيصال رسالتها هي دعوة صريحة للقول: "أنا موجودة! أنا هنا! انظري إليّ!"

أنتِ لم تسمعيني.. لذلك سأتوقف عن المحاولة

حين تُرفض محاولة الطفل للتواصل مرات ومرات، فإنه يتعلم أن أحداً لا يريد سماعه. وفي كل مرة يحاول فيها بعد ذلك، يكون أكثر إصراراً أو اكتئاباً، لأنه يصارع ضد الرسالة المحفورة في قلبه: "أنا غير مهم."

أنا بحاجة للفهم وليس للأوامر

عندما تقول الأم "روحي البسي الزي" دون أن تسمع ما تريد لارا قوله، تُرسل رسالة خاطئة: "ما تفعلينه أو تشعرين به أقل أهمية من ما أريده أنا." بينما ما تحتاجه لارا هو: "قولي لي أكثر. أنا مهتمة. أنتِ مهمة لي."

إعادة قراءة السلوك من منظور نفسي إنساني

حين تسمع الأم كلمة "عناد"، ترى مشكلة تحتاج إلى حل تأديبي. لكن من منظور نفسي إنساني، العناد ليس المشكلة - بل هو العرض.

الطفل الذي "يكون عنيداً" هو غالباً:

• طفل لم يسمع أحد رسالته

• طفل يشعر أنه غير مرئي أو غير مهم

• طفل يحاول التواصل بأفضل الطرق المتاحة له

• طفل يشعر أن احتياجاته الحقيقية لا تُرى ولا تُسمع

الفرق بين العناد والتواصل

عندما تفهم الأم أن إصرار لارا ليس عناداً بل محاولة للتواصل، تتغير الصورة كلياً:

المنظور التأديبي: السلوك عناد وعدم طاعة → الحل المقترح: عقاب أو توبيخ

المنظور النفسي الإنساني: السلوك صرخة طفل → الحل المقترح: الاستماع والفهم والمشاركة

ماذا كان يمكن أن يحدث؟

دعونا نعيد نفس المشهد، لكن هذه المرة مع الاستماع الفعال:

لارا: "ماما! ماما! شوفي اللي عملته في المدرسة!"

الأم (توقف ما تفعله وتنظر): "طبعاً يا حبيبتي! أنتِ بتقولي على حاجة جميلة؟"

لارا (بحماس): "آه! أنا رسمت ستة فراشات وكل فراشة لها ألوان مختلفة!"

الأم: "ستة فراشات؟ يا إلهي! أنتِ عبقرية! أي الألوان أعجبك أكتر؟"

تحكي لارا بطول وتفصيل، والأم تستمع حقاً. وحين يحين وقت الذهاب للمدرسة، تذهب لارا بهدوء وسعادة، لأنها تعرف أنها مهمة.

الدروس المستفادة

عندما نعيد قراءة سلوك الطفل من منظور نفسي إنساني، نفهم أن:

✓ ليس كل إصرار عناد - قد يكون صرخة طفل لم يسمعه أحد

✓ الاستماع الفعال أقوى من الطاعة العمياء

✓ الطفل الذي يشعر أنه مسموع يصبح طفلاً متوازناً وواثقاً

✓ التربية لا تبدأ بقمع السلوك بل بفهم الحاجات الحقيقية

خلاصة القول

لارا لا تحتاج إلى عقاب لعنادها. لارا تحتاج إلى أم تسمعها. تحتاج إلى شخص بالغ يقول لها: "أنتِ مهمة. قولي لي أكثر. أنا هنا لك."

إعادة قراءة سلوك الأطفال من منظور نفسي إنساني تعني أننا نتوقف عن السؤال "لماذا يفعل هذا الطفل هذا السلوك السيء؟" ونبدأ بالسؤال "ماذا يحتاج هذا الطفل كي يشعر بالأمان والقيمة؟"

وحين نسمع حقاً - نجد أن هناك طفلاً طيباً بداخل كل عناد، ينتظر فقط أن يُرى ويُسمع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني