أبي وأمي... سبب نجاحي بعد الله
كتبت /حفصة محمود
حين أتحدث عن أبي وأمي، أشعر أن الكلمات تضيق، وأن الحروف تعجز، وأن كل ما يمكن أن أكتبه لا يساوي شيئًا أمام سنواتٍ طويلةٍ من الحب والتعب والتربية والدعاء والعطاء.
أنا لا أتحدث عن أبٍ وأمٍّ فحسب، بل أتحدث عن الظهر الذي أسندني حين أثقلتني الحياة، والسند الذي لم يمِل، والنور الذي أبصر به الطريق، واليد التي أمسكت بيدي منذ أن عرفت معنى الحياة.
بعد فضل الله وتوفيقه، كان أبي وأمي سببًا في كل نجاح وصلت إليه، وفي كل خُلُقٍ حسن تعلمته، وفي كل خطوةٍ اقتربت بها من الله.
علَّماني الأدب والاحترام، وعلَّماني أن أقابل الإساءة بالإحسان، وأن أكون رحيمةً بمن حولي، وأن أحترم الصغير قبل الكبير، وأساعد المحتاج، وأسامح من أخطأ في حقي ما استطعت.
علَّماني أن الدنيا فانية، وأن كثيرًا مما نتألم لأجله اليوم لن يكون له قيمة غدًا، وأن الإنسان لا ينبغي أن يجعل قلبه أسيرًا لكلام الناس ولا لأفعالهم.
وعلَّماني أبي وأمي أن أنظر دائمًا إلى من هو أقوى مني في دينه وأخلاقه، وإلى من هو أكثر اجتهادًا ونجاحًا، لا لأحسد أحدًا، بل لأتعلم منه وأقول لنفسي: ما دام غيري استطاع أن يكون أفضل، فلماذا لا أسعى أنا أيضًا لأن أكون أفضل؟
ومن بين أجمل ما أهداني الله بهما أنني ختمت القرآن الكريم كاملًا بين الصف السادس الابتدائي والصف الأول الإعدادي، ولم تكن تلك الختمة مجرد صفحاتٍ أتممتها، بل كانت ثمرة تربيةٍ غرست في قلبي حب القرآن والقرب من الله.
لقد علَّماني أن أعرف الصواب من الخطأ، وأن أراقب الله قبل أن أراقب الناس، وأن أسأل نفسي دائمًا: هل هذا يرضي الله؟ وهل سأكون راضيةً عن هذا الفعل حين أقف بين يديه؟
ورغم صغر سني، رأيت مواقف كثيرةً في حياتي، ورأيت بعيني مواقف حدثت مع أبي وأمي، لم يخبرني بها أحد، ولم تكن حكاياتٍ منقولة؛ كنت حاضرةً وأرى بعيني.
رأيت أبي وأمي يساعدان الناس، ويبذلان من وقتهما وجهدهما ومالهما، ثم رأيت أحيانًا من ينكر الجميل، بل ومن يتحدث عنهما بسوء، بينما الحقيقة التي أعرفها أنا كانت مختلفة تمامًا.
وهنا تعلَّمت منهما درسًا لن أنساه ما حييت:
أن تكون محسنًا، حتى إن لم تلقَ إحسانًا.
ولذلك أعيش بهذا المبدأ:
««كُنْ مُحسنًا، وإن لم تلقَ إحسانًا.»»
فأنا لا أريد أن أعيش عمري مشغولةً بمن أساء، أو بمن قال، أو بمن ظلم، أو بمن أنكر الجميل.
ففي النهاية، أنا التي سأدخل قبري وحدي، وسأقف بين يدي الله وحدي، وسأُسأل عن أفعالي وأقوالي وحدي.
لذلك أريد أن أعيش حياةً إذا انتهت، وجدتُ في صحيفتي خيرًا، وفي قلبي رحمةً، وفي عملي أثرًا، وفي علاقتي بالله ما يطمئنني.
أريد الجنة.
وأريد الفردوس الأعلى.
وأريد أن يجمعني الله فيها بأبي وأمي وإخوتي وعائلتي، كما جمعنا في الدنيا، وأن يكون اجتماعنا في الآخرة أجمل وأبقى.
ولم يكن أبي وأمي سببًا في نجاحي الدراسي فحسب، بل كانا سببًا في نجاحي كإنسانة.
بفضل الله ثم بفضلهما، حصلت على المركز الأول في مسابقاتٍ كثيرة، واختيرت طالبةً مثالية، وشاركت في مسابقاتٍ على مستوى الجمهورية، وكنت الأولى على دفعتي سنواتٍ متتالية.
لكنني حين أذكر كل هذه الإنجازات، لا أرى نفسي وحدي في الصورة.
أرى خلف كل إنجازٍ أبًا دعا، وأمًّا سهرت، وبيتًا احتواني، وكلماتٍ شجعتني، وتربيةً صنعت مني ما أنا عليه اليوم.
وما أعظم أن يكون وراء نجاح الإنسان قلبان لم يتوقفا يومًا عن الدعاء له.
وأبي... رأيته منذ أيامٍ قليلة متعبًا، وقد غلبه الإرهاق، ومع ذلك استمر في عمله؛ رأيته يعمل لساعاتٍ طويلة، قرابة عشرين ساعةً متواصلة، فقط حتى نعيش نحن في راحة.
لم يكن يفكر في نفسه.
كان يفكر فينا.
وأمي... كم مرة رأيتها متعبةً، ومع ذلك تقوم لتُعدَّ لي فطوري، وتوقظني من نومي، وتسألني عن دراستي، وتتابعني، وتدعو لي، وكأن تعبها لا يهم ما دامت ترى أبناءها بخير.
أي حبٍّ هذا؟
وأي عطاءٍ يمكن أن يردَّ هذا العطاء؟
أبي وأمي لا يقولان لنا: «نريد أن نرتاح.»
بل كثيرًا ما يقولان لنا إنهما يريداننا أن ننجح في الدنيا والآخرة، وأن نحفظ القرآن، ونقترب من الله، وندخل الجنة جميعًا.
حتى في أحلك ظروف الحياة، كان آخر ما يفكران فيه نفسيهما.
يبحثان عن احتياجاتنا قبل احتياجاتهما، ويقولان لنا بمعنى واحدٍ دائم:
«نحن سعداء ما دمتم أنتم سعداء.»
فكيف يمكن لقلبٍ صغيرٍ مثلي أن يردَّ كل هذا؟
كيف أشكر يدًا حملتني قبل أن أعرف المشي؟
كيف أشكر قلبًا خاف عليَّ قبل أن أعرف معنى الخوف؟
كيف أشكر من تعب كي أرتاح، وسهر كي أنام، ودعا كي أنجح، وعلَّمني كي أصبح إنسانةً أفضل؟
لقد فهمت مع الوقت أن الوالدين لا يربيان أبناءهما بالكلمات فقط، بل يربيانهم بما يفعلانه أمام أعينهم.
وأنا رأيت في أبي معنى المسؤولية، والصبر، والعمل، والكرم.
ورأيت في أمي معنى الرحمة، والعطاء، والصبر، والاحتواء.
ورأيت فيهما معًا معنى أن يكون الإنسان صالحًا حتى عندما لا يراه أحد.
لذلك، إذا رأيتم فيَّ شيئًا جميلًا، فاذكروا أن خلفه بيتًا علَّمني الجمال.
وإذا رأيتم فيَّ خُلُقًا حسنًا، فاعلموا أن هناك أبًا وأمًّا زرعاه في قلبي منذ الصغر.
وإذا رأيتم نجاحًا، فلا تنسبوه إليَّ وحدي؛ فقد كان وراءه بعد فضل الله دعاء أبي، وتعب أمي، وتربيتهما، وصبرهما، وثقتهما بي.
أنا ابنة رجلٍ وامرأةٍ لم يعلِّماني كيف أنجح فقط، بل علَّماني كيف أنجح دون أن أفقد ديني، وكيف أتقدم دون أن أؤذي أحدًا، وكيف أكون قويةً دون أن أكون قاسية، وكيف أكون ناجحةً دون أن أتكبر، وكيف أكون رحيمةً حتى مع من لا يرحمني.
أبي وأمي...
قد أكتب عنكما عشرات الصفحات، وقد أملأ الكتب بكلمات الحب والامتنان، ومع ذلك سأظل أشعر أنني لم أقل شيئًا.
لأن الكلام يُكتب في ساعات،
أما الحكاية فقد كُتبت في سنوات.
سنواتٍ من التعب، والدعاء، والسهر، والخوف، والعمل، والتضحية، والاحتواء.
فيا رب، كما كان أبي وأمي سببًا في أن أصل إلى ما وصلت إليه بعد فضلك، فكن لهما عونًا كما كانا لي عونًا.
اللهم اجزهما عني خير الجزاء، وبارك في أعمارهم وصحتهم، وارزقني برهما ما حييت، ولا تجعلني يومًا سببًا في حزنٍ يدخل قلبيهما.
اللهم اجعلني ابنةً بارةً بهما، رحيمةً بهما، نافعةً لهما، واجعل كل نجاحٍ أصل إليه صدقةً جاريةً في صحيفتهما.
اللهم لا تجعل فرحنا في الدنيا ينتهي بالفراق، بل اجمعنا في الآخرة في جناتك، تحت ظلال رحمتك، في مقامٍ لا تعب فيه ولا حزن ولا فراق.
أبي وأمي...
أنتم لستم فصلًا في قصة نجاحي.
أنتم بداية القصة، وأجمل فصولها، والسبب بعد الله في أنني أصبحت أنا.
ومهما كبرت، ومهما حققت، ومهما وصلت، سيبقى في داخلي يقينٌ واحد:
أن أعظم إنجازٍ حققته في حياتي، أن الله رزقني أبًا وأمًّا علَّماني كيف أكون إنسانةً تستحق أن تدخل الجنة.
فيا أبي، ويا أمي...
إن عجزت الكلمات عن وصف حبي لكما، فلعل دعائي يصل إلى السماء بما عجز لساني عن قوله:
اللهم اجمعني بأبي وأمي في الفردوس الأعلى، واجعلنا معًا في الدنيا والآخرة، ولا تحرمني منهما، ولا تحرمهما مني، واجعلني دائمًا ثمرةً طيبةً لتعبهما، وسببًا في فرحهما، وفخرًا لهما في الدنيا، وذخرًا لهما في الآخرة.
أحبكما حبًّا لا تكفيه الكلمات، ولا تفيه السطور، ولا تستطيع الأيام أن تصفه.

جزاكِ الله خيراً 🤍🥹
ردحذف