تهاوي أوهام القطب الأوحد وعقيدة السيادة: حصانة القرار في مواجهة عواصف الاستدراج
إعداد وتحليل/منى منصور السيد
حين نتأمل ملامح العالم اليوم، نجد أننا نقف معاً على تخوم مرحلة تاريخية بالغة الدقة والتعقيد، يتهاوى فيها بريق القطب الأوحد وتتصدع من حولنا جدران هيمنة طالما فرضت منطقها المتهور على مقدرات الشعوب البسيطة. ويأتي هذا المقال ليقدم قراءة تحليلية واعية وعميقة لطروحات ورؤى معالي اللواء سامي محمود دنيا، التي تقارب بعين البصيرة هذا المخاض العالمي، مستلهمةً حقيقة أن القوى الكبرى، وفي طليعتها الولايات المتحدة، باتت تواجه أزمات هيكلية كبرى تتجسد في تضخم مرعب للدين العام وتراجع متسارع في حضور عملتها كخيار أول للاحتياطي العالمي، فضلاً عن السقوط المدوي لرهانات القوة العسكرية الخشنة وحدها في حسم الصراعات. ومن زاوية أخرى مترابطة، تفضح هذه المؤشرات عجز السياسات القائمة على الاستعراض والغطرسة عن إدارة عالم يزداد تشابكاً، مما يفتح الباب واسعاً لصعود أقطاب جديدة تبحث عن توازن يحمي مصالحها بعيداً عن احتكار السيطرة الأحادية، وهو ما يدعونا لتدبر المستقبل برؤية احتمالية منضبطة تدرك أن الغد لا يملكه من يدعي معرفته، بل من يحسن قراءة مؤشراته بحكمة وروية.
وفي قلب هذه الفوضى المدارة برعونة سياسية لا تخفى على عاقل، تتكشف تدريجياً المآلات المرة للاندفاع الأهوج في خطوط التوتر الساخنة كمضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، حيث تبرز زاوية بالغة الأهمية تتعلق بتآكل الثقة المتبادلة بين الحلفاء ووقوع قوى الهيمنة في فخ استنزاف ذاتي جعل من صانع القرار الغربي رهينة لتصريحات متسارعة تصنع الأزمات ولا تعالجها. هذا التخبط الميداني يضعنا أمام مسارات متعددة الاحتمالات؛ فأما السيناريو الأساسي فيقوم على بقاء التوتر ضمن حدود مدارة بحذر شديد دون انزلاق لصدام شامل، تواصل فيه القوى الإقليمية، وفي صدارتها مصر العريقة، التمسك باستقلاليتها التامة ورفض الانخراط في أطر أمنية هشة خالية من الالتزامات العادلة. وأما السيناريو التصعيدي فيرتفع احتماله كلما تفاقمت الحماقات الميدانية وسوء التقدير، ليلقي بأثقال مرعبة على أمن الملاحة والاقتصاد العالمي، بينما يظل السيناريو الانحساري أو التهدئة الكبرى خياراً تفرضه الضرورة الاقتصادية البحتة عندما تدرك الأطراف باهظة التكلفة للصدام. وإلى جانب ذلك كله، يظل شبح "البجعة السوداء" أو الصدمات الهيكلية الكبرى ماثلاً في الأفق كاحتمال ضعيف ولكنه بالغ التأثير إن وقع. وهنا يتجلى الدرس البليغ الذي نستلهمه من وعينا التاريخي، وهو أن كلمة "نعم" في مواطن الخطر قد تكون أهلك وأشد فتكاً من كلمة "لا"، مما يجعل الرفض الواعي لأي شراكة غير متوازنة صمام أمان حقيقي يحمي الأوطان من فواتير أخطاء الآخرين.
وعلى خط متصل ومن ذات المنطلق الاستراتيجي الأبي، تتجلى عبقرية الموقف المصري بوضوح يقطع الطريق على كل محاولات الاستدراج، مؤكدةً أن قوة الدول الحقيقية لا تقاس بعدد الطائرات والصواريخ فحسب، بل بقدرة قيادتها ومؤسساتها العريقة على إدارة الملفات بالحكمة والروية ورفض كل الاستعراضات الإعلامية الجوفاء. إن الدولة المصرية تدرك تماماً أن أمنها القومي خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن الانجرار خلف أطروحات الآخرين أو قبول التزامات فضفاضة تلقي بأعباء أخطاء غير محسوبة على كاهل القوات المسلحة والشعب هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً. ومن هنا، فإن الخطاب الموضوعي الذي يرفض التورط ويتمسك بالندية والكرامة والوضوح التام يعكس وعياً وطنياً فريداً، يثبت أن مصر كانت وستظل واحة للأمن والاستقرار، وحصناً منيعاً يقف بصلابة وثبات في وجه كل عواصف الزمان، حافظةً لعهد الكرامة والسيادة، والحمد لله رب العالمين.


تعليقات
إرسال تعليق