حين نحاكم الخيال بمنطق الواقع
كتبت / سماح العباسي
في الدفاع عن الأدب الذي صنع ذاكرة أجيال
قرأت منشورًا على موقع «فيسبوك» ينتقد أدب الكاتب الراحل نبيل فاروق، ويتحدث عن رواياته وشخصياته وكأنها ينبغي أن تخضع في كل تفاصيلها لقوانين الواقع، بل وصل الأمر إلى السخرية من بعض أبطاله، والتقليل من قيمة ما قدمه الرجل طوال سنوات من الكتابة.
توقفت طويلًا أمام ذلك الكلام.
ليس لأنني أرى أن نبيل فاروق فوق النقد، ولا لأنني أعتقد أن كل ما كتبه كان كاملًا من الناحية الفنية، فكل كاتب يمكن أن يُناقش ويُنتقد، مهما بلغت شهرته.
وإنما لأنني شعرت أن هناك مشكلة أعمق من مجرد اختلاف في الرأي: مشكلة في الطريقة التي ننظر بها أحيانًا إلى الأدب الخيالي نفسه.
أنا من محبي الأدب العلمي والخيالي وأدب المغامرات، ولذلك أؤمن بأن للرواية حقًا مشروعًا في أن تصنع عالمها الخاص، وأن تمنح بطلها قدرات استثنائية، وأن تجعل المستحيل ممكنًا داخل حدود الحكاية.
فأدهم صبري ليس رجلًا حقيقيًا ينبغي أن تخضع مغامراته لتقييم أجهزة المخابرات في العالم. إنه شخصية روائية.
ونور ليس تقريرًا علميًا عن مستقبل البشرية، ولا شخصية تاريخية يجب أن نقيس أفعالها بموازين الواقع.
إنه بطل في عالم تخيلي.
وهنا تكمن إحدى أبسط قواعد القراءة الأدبية: لا تحاكم الخيال بالطريقة نفسها التي تحاكم بها الوثيقة التاريخية.
عندما نقرأ رواية عن رجل يسافر عبر الزمن، لا نسأل الكاتب لماذا لم تثبت لنا الفيزياء إمكانية السفر عبر الزمن.
وعندما نشاهد فيلمًا عن بطل خارق، لا نطالب المخرج بتقديم ملف طبي يثبت قدرته على الطيران.
نحن ندخل عالمًا متخيلًا، ونقبل قواعده مؤقتًا، ثم نحكم على مدى نجاح الكاتب في جعلنا نصدقه داخل ذلك العالم.
وهذا تحديدًا هو سحر الأدب.
قد تكون الرواية مبالغًا فيها، وقد تكون بعض أحداثها غير واقعية، وقد نختلف مع أسلوب الكاتب أو لغته أو بناء شخصياته، لكن ذلك كله لا يجعلها بالضرورة «هذيانًا» أو «خزعبلات». النقد الأدبي الحقيقي لا يحتاج إلى إهانة العمل كي يثبت تفوقه عليه.
ثم هناك سؤال آخر أكثر إزعاجًا:
لماذا نكون أحيانًا شديدي القسوة على الأدب الذي يحمل قيمة حقيقية، بينما تمر أعمال سطحية ومبتذلة، بل وأحيانًا قبيحة فكريًا وأخلاقيًا، من دون أن تحظى بالقدر نفسه من النقد؟
هل لأننا لم ننضج بعد بما يكفي لنميز بين الأدب الجاد والأدب الذي يعيش على الإثارة الرخيصة؟
أم لأن بعضنا يجد سهولة في مهاجمة الناجح، خصوصًا إذا كان من أبناء جلدته، أكثر مما يجدها في نقد الأعمال التي تستحق النقد فعلًا؟
لا أريد أن أتهم أحدًا بعقد نفسية أو دوافع خفية؛ فالنوايا لا يمكن معرفتها من منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن السؤال يستحق أن يُطرح.
لماذا يصبح نجاح الكاتب أحيانًا تهمة؟
إذا حقق كاتب عربي ملايين القراء، وباع أعدادًا كبيرة من الكتب، وجعل طفلًا أو مراهقًا يترك الهاتف ويمسك رواية، فلماذا ننظر إلى ذلك باعتباره أمرًا يستحق السخرية؟
هل المال الذي يكسبه الكاتب من كتبه دليل على رداءة أدبه؟
بالطبع لا.
قد يكون العمل ناجحًا تجاريًا وضعيفًا فنيًا، وقد يكون عظيمًا فنيًا ولا يبيع إلا القليل. ولكن النجاح الجماهيري في حد ذاته ليس جريمة، وليس من العدل استخدامه كسلاح ضد صاحبه.
والأهم من المال هو الأثر.
لقد قرأت منذ سنوات قصة أسطورة العنقاء لنبيل فاروق أسرتني بقوة. لم أكن وقتها أقرأها بعين ناقد أكاديمي يبحث عن مواطن الضعف في البناء السردي، وإنما كنت قارئة تبحث عن القصة.
أسرتني الأحداث.
عشت معها.
ثم أغلقت الكتاب.
ومرت سنوات أخرى.
ومع ذلك ما زلت أتذكر شيئًا من أحداثها ومشاهدها وأجوائها.
وهنا أسأل نفسي:
إذا كانت قصة ما استطاعت أن تعبر سنوات العمر وتبقى في ذاكرة قارئها، أفلا يستحق ذلك أن نتوقف قليلًا قبل أن نصفها بالسذاجة؟
ربما لا تكون تلك القصة تحفة أدبية وفقًا لكل المعايير النقدية، لكن صاحبها نجح في شيء بالغ الأهمية: نجح في أن يجعل قارئًا يتذكره.
وهذه ليست مسألة بسيطة.
فالكتب كثيرة، لكن القليل منها يبقى معنا.
نقرأ عشرات القصص ثم ننساها، بينما تظل قصة واحدة عالقة في مكان ما من الذاكرة، ربما لأننا قرأناها في وقت كنا فيه أكثر براءة، أو لأن شخصياتها أثارت خيالنا، أو لأنها فتحت أمامنا بابًا إلى عالم لم نعرفه من قبل.
ولعل هذه إحدى أهم وظائف الأدب: أن يمنح الإنسان مساحة مؤقتة للهروب من الواقع، لا لكي يرفض الواقع، وإنما لكي يعود إليه بخيال أكثر اتساعًا.
نبيل فاروق فهم هذه المساحة جيدًا.
كتب لأجيال من الشباب، وصنع شخصيات أصبحت جزءًا من ذاكرة قرائها.
قد نختلف حول مستواه الأدبي، وقد ننتقد بعض أعماله، وقد نرى أن بعض الحبكات كانت أكثر مبالغة مما ينبغي، وهذا كله مشروع.
يتابع

تعليقات
إرسال تعليق