حد نشر صورتك على فيسبوك من غير إذنك.. تعمل إيه؟
بقلم الأستاذ / أحمد سعد عسل
المحامي
صورة واحدة على هاتفك ممكن تكون شيئ عادي ، لكن عندما تجدها منشورة علي مواقع التواصل الاجتماعي دون علمك، قد تشعر أن جزءًا من خصوصيتك خرج من يدك دون إذن. وهنا لا يكون السؤال فقط: "مين نشر الصورة؟"، وإنما السؤال الأهم: "هل من حقه أصلًا أن ينشرها؟"
مع انتشار الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح التقاط الصور ونشرها أمرًا سهلًا للغاية. صورة في مناسبة، أو في مكان عام، أو حتى صورة التقطها شخص لك دون أن تنتبه، قد تجدها بعد دقائق على فيسبوك أو إحدى منصات التواصل.
لكن سهولة التصوير لا تعني أن نشر الصورة أصبح مباحًا في كل الأحوال.
فالخصوصية حق يحميه القانون، والإنسان لا يفقد حقه في خصوصيته لمجرد أنه ظهر في صورة أو كان موجودًا في مكان عام. ولذلك فإن التعامل مع صور الأشخاص يجب أن يراعي طبيعة الصورة، والغرض من نشرها، والظروف التي التُقطت فيها، وما إذا كان النشر قد ترتب عليه اعتداء على حق من حقوق الشخص أو إلحاق ضرر به.
والأمر يصبح أكثر خطورة عندما لا يكتفي شخص بنشر الصورة، وإنما يضع معها عبارات مسيئة، أو يستخدمها للسخرية أو التشهير، أو ينشرها بطريقة تمس سمعة صاحبها أو تعرضه للإيذاء أو الابتزاز.
وهنا قد لا نتحدث عن مجرد صورة، وإنما عن فعل قد يرتب مسؤولية قانونية بحسب ظروف الواقعة ومضمون المنشور والضرر الناتج عنه.
طيب.. لو صورتك اتنشرت من غير إذنك، تعمل إيه؟
أول وأهم نصيحة: ( لا تتعامل مع الأمر بعصبية )
احتفظ بالدليل قبل أن تطلب حذف المنشور.
خذ لقطات واضحة للمنشور، واحفظ رابط الصفحة أو الحساب، واحتفظ بتاريخ النشر وأي تعليقات أو رسائل مرتبطة به.
لماذا؟
لأن حذف الصورة قد ينهي المشكلة بالنسبة لك، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى فقدان دليل مهم إذا قررت اتخاذ إجراء قانوني.
بعد ذلك، يمكنك مطالبة الشخص الذي نشر الصورة بحذفها، وكذلك استخدام أدوات الإبلاغ التي توفرها المنصة إذا كان المحتوى يمثل انتهاكًا لخصوصيتك أو إساءة إليك.
وقد يظن البعض أن صاحب الحساب المجهول أصبح بمنأى عن المساءلة، لمجرد أنه لم يضع اسمه الحقيقي على صفحته. وهذا اعتقاد غير صحيح؛ فإخفاء الاسم عن المستخدمين لا يعني بالضرورة استحالة تحديد صاحبه من خلال الإجراءات القانونية والبيانات الفنية التي قد تكشفها الجهات المختصة أثناء التحقيق.
لذلك، إذا وجدت صورتك منشورة من حساب مجهول، فلا تبحث بنفسك عن هوية صاحبه، ولا تدخل في مواجهة معه؛ بل احتفظ بالدليل، وسجّل رابط الحساب والمنشور، وتقدم بالبلاغ إلى الجهات المختصة، واترك تحديد هوية المسؤول للجهات التي تملك الوسائل القانونية والفنية لذلك.
أما إذا كان النشر مصحوبًا بتهديد أو ابتزاز أو تشهير أو إساءة متعمدة، أو ترتب عليه ضرر حقيقي، فهنا لا ينبغي الاكتفاء بطلب حذف الصورة، وإنما يجب اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، مع تقديم الأدلة التي تثبت الواقعة.
والأهم من ذلك كله: لا تحاول حل الابتزاز بالاستجابة للمبتز أو إرسال الأموال إليه. فالتنازل مرة قد يفتح الباب لطلبات أخرى، بينما التصرف القانوني السليم يحافظ على حقك ويضع الواقعة أمام الجهات المختصة.
وهل مجرد وجودك في مكان عام يعني أن أي شخص يستطيع نشر صورتك؟
ليس بهذه البساطة:
فوجود الإنسان في مكان عام لا يعني سقوط جميع حقوقه المتعلقة بخصوصيته، كما أن الحكم على مشروعية النشر لا يتوقف على كون المكان عامًا أو خاصًا فقط، وإنما ينظر إلى ظروف التصوير والنشر والغرض منه والمحتوى المصاحب له والضرر الذي قد ينتج عنه.
ولهذا تختلف صورة شخص ظهر عرضًا في خلفية صورة لمكان عام عن صورة التُقطت له عمدًا ثم استُخدمت للإساءة إليه أو التشهير به.
والخلاصة؟
إذا وجدت صورتك منشورة دون رغبتك، فلا تبدأ بالانفعال، ولا تدخل في مشاجرة مع صاحب الحساب، ولا تحذف الأدلة.
وثّق أولًا، ثم اطلب الإزالة، وإذا كان هناك اعتداء أو إساءة أو تهديد أو ابتزاز، فاستعمل حقك القانوني.
فمواقع التواصل الاجتماعي مساحة للتعبير والتواصل، لكنها ليست مساحة مفتوحة للاعتداء على خصوصية الآخرين.
وفي النهاية...
قبل أن تضغط زر "نشر"، تذكر أن الصورة التي تراها مجرد صورة قد تكون بالنسبة لصاحبها خصوصية أو كرامة أو سمعة.
واحترام خصوصية الآخرين ليس فقط تصرفًا أخلاقيًا، بل قد يكون أيضًا التزامًا قانونيًا.
أما إذا وجدت صورتك منشورة دون رضاك، فلا تسأل نفسك فقط: "أحذفها إزاي؟"... بل اسأل: "إزاي أحافظ على حقي وأنا بحذفها؟"
فالحذف قد ينهي ظهور الصورة، لكن توثيق الواقعة هو الذي قد يحفظ حقك.

تعليقات
إرسال تعليق