يوم في حياة "ياسين": معركة الإتاحة واسترداد حق الحركة
كتبت /منى منصور السيد
يبدأ "ياسين" يومه، وهو شاب مصري يستخدم كرسياً متحركاً، قبل موعد عمله بساعتين على الأقل. بالنسبة له، المسافة من المنزل إلى العمل ليست مجرد كيلومترات، بل هي "سلسلة من الاختبارات الهندسية والسلوكية" التي يضعها الشارع المصري أمام استقلاليته. تبدأ أولى معاركه اليومية مع التحدي المعماري؛ حيث يواجه أرصفة متهالكة أو شديدة الارتفاع تخلو من المنحدرات (Ramps) المجهزة وفق الأكواد الصحيحة، مما يضطره لمزاحمة السيارات في قلب الشارع، وهو وضع يسلبه الشعور بالأمان ويجعله عرضة للخطر الدائم.
تنتقل الرحلة إلى محطة الحافلات، وهنا يبرز التحدي السلوكي واللوجستي بشكل جليّ. فعلى الرغم من وجود حافلات حديثة مجهزة بمصاعد هيدروليكية، إلا أن الواقع يفرض صعوبات إضافية؛ فزحام المحطات وإشغال الأرصفة بالباعة أو السيارات المركونة يمنع الحافلة من الاقتراب من الرصيف بشكل مريح. أضف إلى ذلك نقص الوعي لدى بعض السائقين بآلية تشغيل المنحدر أو الصبر لحين صعود الراكب، مما يجعل وسيلة المواصلات "المتاحة نظرياً" صعبة المنال "عملياً". هذا الخلل في منظومة الإتاحة يمتد ليشمل المنشآت القديمة والمصالح الحكومية التي قد تفتقر للمصاعد الواسعة أو دورات المياه المجهزة، مما يضطر ياسين أحياناً للانتظار في الشارع لينهي موظف خدمته، وهو ما يكرس شعور العزلة وفقدان الاستقلالية.
ولا تقتصر الفجوة على الجانب الحركي فقط، بل تمتد لتشمل التحدي التكنولوجي؛ حيث لا تزال الكثير من المواقع والخدمات الرقمية لا تدعم قارئات الشاشة بشكل كامل للمكفوفين، مما يصعب عليهم إنجاز المعاملات دون وسيط. ورغم هذه التحديات القاسية، يظل هناك بصيص أمل يتمثل في قانون رقم 10 لسنة 2018 الذي بدأ يضع أطراً ملزمة لتوفير الإتاحة، وظهور المدن الجديدة التي تُبنى بمعايير عالمية تضمن حق الجميع في الحركة. إن رحلة ياسين اليومية تؤكد أن "الإتاحة" ليست رفاهية أو مجرد منحدر أسمنتي، بل هي اعتراف بحق المواطن في ممارسة حياته بكرامة دون حواجز مادية أو معنوية

تعليقات
إرسال تعليق