عناقٌ مؤجل خلف قضبان الغياب
بقلم: رابح زهران
ثماني سنوات، ومساحة ذراعيَّ لا تزال فارغة إلا من صدى أنين مكتوم. ثماني سنوات ليست مجرد أرقام في رزنامة الزمن، بل هي آلاف الليالي التي كبرتِ فيها بعيداً عن عيني، ونبتت فيها زهور طفولتكِ في شرفةٍ لا تطل على قلبي.
هل تدرك تلك "الأم" ماذا يعني أن يُحرم الأب من أن يشم رائحة ابنته؟ أن يكون السند الذي لا يُسمح له بالاستناد؟ إنها لا تعاقبني أنا، بل تسرق منكِ جزءاً من فطرتك، وتنزع من مخيلتكِ صورة البطل الذي كان يتمنى أن يحملكِ فوق كتفيه لترَي العالم من منظورٍ أجمل.
لقد صنعتِ بيننا أسواراً من العناد، وظننتِ أنكِ انتصرتِ في معركة الحضانة، لكن الحقيقة المرة هي أننا جميعاً خسرنا. خسرنا حق هذه الصغيرة في أن تنمو بين حنان الأم وهيبة الأب، في توازنٍ لا تمنحه القوانين ولا تفرضه المحاكم، بل تمليه الرحمة والإنسانية.
يا ابنتي، رغم المسافات ورغم المنع، سأبقى ذلك الأب الذي يرقب طيفكِ في وجوه الصغيرات، ويخبئ لكِ في صدره عناقاً يزداد طولاً وعمقاً مع كل يوم يمر. سيأتي يوم تدركين فيه أن ذراعيَّ لم تكن يوماً بعيدة برغبتها، بل كانت مقيدة بأصفاد لم تخترها.
إن الأبوة ليست مجرد اسم في شهادة ميلاد، بل هي نبضٌ لا ينقطع حتى وإن قطعوا دابر الوصال. وغداً، حين يسقط غبار الخصومة، ستجدينني في انتظاركِ، بقلبٍ لم يهرم من الانتظار، وبذراعين مفتوحتين كأنهما لم يُغلقا يوماً. إن المعضلة ليست في "قانون" يُطبق، بل في "روح" تُنتهك. حين تتحول الابنة إلى ورقة ضغط، والأبوة إلى تهمة يُعاقب عليها الرجل بالهجر والمنع، فنحن أمام كارثة أخلاقية تضرب جذور المجتمع. ثماني سنوات ليست مجرد غياب، بل هي جرح غائر في وجدان طفلة تُسلب حقها في الأمان الذي لا يمنحه إلا حضن الأب.
القانون الذي يمنح الحضانة لطرف، لا ينبغي أن يمنحه "صك ملكية" للروح البشرية. إن حرمان الأب من ضم ابنته ليس انتصاراً للأم، بل هو هزيمة نكراء للإنسانية. كيف يغمض جفنٌ لامرأة تعلم أن هناك قلباً يحترق شوقاً، وأن هناك يدان ترتعدان لهفةً للمسة كفٍ صغيرة؟
يا سادة، إن "الرؤية" في أماكن عامة وخلف أسوار النوادي ليست لقاءً، بل هي إهانة لمشاعر الأبوة. الأبوة هي أن أشاركها تفاصيل يومها، أن أحتوي خوفها، أن أكون الملاذ حين تضيق بها السبل. إن حصر العلاقة في ساعات معدودة هو وأدٌ بطيء لكل معاني المودة.
أطالب، ليس فقط كأب مكلوم، بل ككاتب يرى تصدع الأسر، بضرورة إعادة النظر في تشريعات الحضانة. لابد أن يكون للرجل مكانة تليق بدوره كعمود خيمة الأسرة، لا أن يُلقى به في مؤخرة ترتيب الاستحقاق وكأنه غريب عن دمه.
ستبقى ابنتي هي القصيدة التي لم تكتمل، واللحن الذي ينتظر أوتاره. وسأظل أناضل بالقلم والكلمة حتى يعود الحق لأصحابه، وحتى لا يضطر أبٌ آخر أن يحصي سنوات عمره من وراء قضبان "المنع" القاسي إن الاستمرار في تطبيق قوانين حضانة عفا عليها الزمن، تجعل من الأب "زائراً" غريباً في حياة ابنه أو ابنته، هو جريمة مكتملة الأركان بحق الطفولة قبل أن تكون بحق الآباء. ثماني سنوات من الحرمان ليست مجرد "فترة نزاع"، بل هي اغتيال لسنوات التكوين النفسي التي تحتاج فيها البنت ليد أبيها لتمسك بها وهي تخطو نحو الحياة.
لذلك، ومن منطلق المسؤولية والوجع الذي عشته ويعيشه آلاف غيري، أضع هذه المطالب أمام المشرع والمجتمع:
إعادة النظر في سن الحضانة: لا بد من العودة للأصول التي تحفظ توازن الطفل، بجعل سن الحضانة ينتهي عند السابعة للولد والتاسعة للبنت، لتبدأ بعدها مرحلة التوجيه والكنف الأبوي الذي لا غنى عنه.
أولوية الأب في الترتيب: من غير المنطقي ولا المنصف أن يأتي الأب في مرتبة متأخرة خلف الأقارب من جهة الأم. الأب هو الولي والسند، وهو الأحق برعاية ثمرة فؤاده بعد الأم مباشرة.
تفعيل "الاستضافة" بدلاً من "الرؤية": الرؤية في مراكز الشباب والنوادي هي إجراء مهين. نطالب بقانون يضمن حق الاستضافة والمبيت، ليعيش الطفل مع والده حياة طبيعية، يشاركه طعامه، ونومه، وحكايات ما قبل النوم.
تغليظ العقوبات على المنع: يجب أن يكون "التعنت" في تنفيذ الرؤية أو الاستضافة سبباً قانونياً كافياً لنقل الحضانة فوراً، فالطرف الذي لا يحترم حق الطفل في أبيه لا يستحق أمانة تربيته.
إننا لا نطلب معجزات، بل نطلب "الرحمة" التي نصت عليها الأديان، والعدالة التي ينشدها الضمير الإنساني. إن ابنتي التي حُرمت من ضمة ذراعي لثماني سنوات، هي ضحية قانون يحتاج لثورة تصحيحية تضع مصلحة المحضون فوق كبرياء المتخاصمين.
يا ابنتي، سأظل أكتب حتى يجف الحبر أو ينصفنا القدر، لتدركي يوماً أن أباكِ لم يترك ساحة المعركة، بل حارب بالكلمة والحق ليحمي حقكِ في أن يكون لكِ أبٌ كامل الأركان، لا مجرد صورة في مخيلتكِ.

تعليقات
إرسال تعليق