الذكاء الاصطناعي والبشري صراع الهيمنة وأخلاقيات الابتكار



كتبت/حبيبة حسن

لا يمكن الحديث عن المشهد الاقتصادي العالمي اليوم دون وضع الذكاء الاصطناعي في مقدمة الصورة، حيث تشير التقديرات الحالية إلى أنه يساهم في توفير نحو 12% من وظائف العالم، وهو ما يعادل تقريباً 20 مليون وظيفة جديدة. هذا التحول الجذري خلق مسارات مهنية لم تكن موجودة من قبل، مثل محللي البيانات الضخمة، ومبرمجي الأنظمة الذكية، ومديري وحدات الذكاء الاصطناعي؛ وفي المقابل نجد الجانب الآخر من العملة، حيث تواجه مهن تقليدية خطر الاندثار أو التقلص الشديد بفعل الأتمتة، كمهن "الكاشير"، وبعض جوانب الطبخ، وحتى قطاعات في المحاماة التي باتت تعتمد على الخوارزميات في البحث والتحليل القانوني.

وباعتبار الإنسان هو أساس الحياة، فقد أخذ على عاتقه مهمة التطوير والابتكار المستمر بهدف السيطرة على كل ما حوله وتسخير الآلات لصالح البشرية، وتجلى ذلك في استخدام التحكم الآلي لزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وصولاً إلى فك بعض الشفرات الطبية المعقدة للأمراض الوراثية والجينية بحثاً عن علاجات جذرية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت يد الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء وأحدثت ثورة في المعدات والآلات الحربية.

وتعود جذور هذا الفكر بوضوح إلى حقبة الحرب العالمية الثانية مع العالم البريطاني الدكتور "آلان تورينج"، الذي لم يكتفِ بوضع اللبنات الأولى لهذا العلم، بل حذر مبكراً من مستقبل استحواذ وسيطرة الذكاء الاصطناعي على مفاصل الحياة من خلال برامج قد يسيطر عليها غير الأسوياء، مما يجعلها أداة تدميرية تنسف الحياة دون هوادة، واليوم يتجدد هذا التحذير من خطورة انفلات هذه البرامج وانقلابها ضد الإنسان وصانعها.

إن عالمنا اليوم يزخر بالمنجزات الرائعة؛ من الطائرات بدون طيار والرعاية الطبية الآلية، إلى تقدم الجرافيك وتطور التعليم وتحسين الطرق والتنبؤ بالطقس، وكل هذه التقنيات وضعت لخدمة البشرية، ولكن يظل الخوف مشروعاً مما هو قادم من تطورات قد تلمس جوهر الإنسان وتحدد مصيره أو وجوده، لذا يبقى الخيار الأمثل هو أن ننتقي من هذا التطور أفضل ما نحتاجه لخدمة الإنسان وحماية كينونته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني