غباء اصطناعي



بقلم: محمـد العايدي

أذكر أنني قد وصفت ما وصل إليه الإنسان العصري من حماقة سلوكية ونمطية على كل الأصعدة خلال إحدى الروايات القديمة التي كتبتها في السابق، تحديدًا خلال عام 2017، والتي ما زالت قيد النشر.

أذكر أنني وصفت هذا الإنسان العصري بأنه قد

استخدم ذكاءه (بمنتهى الغباء)، نعم قلتها كما هي،

بنفس هذا التعبير.

واليوم أجد هذه العبارة تتحقق أمامي جليةً، واضحةً وضوح شمس الظهيرة؛ فقد بلغ الإنسان، في خضم جنون الترفيه، من فرط الذكاء حدَّ الوصول إلى   

(قمة الغباء)، حين قرر أن يستعين بذكاءٍ اصطناعيٍّ ينوب عنه.

وهنا أود أن أوضح علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي من خلال أقرب التشبيهات:

الذكاء الاصطناعي، مثل خزانة ضخمة، قرر الإنسان أن يضع داخلها كل ما وصل إليه من معرفة

ومعلومات متعددة الأفرع وكثيرة جدًا، ليستخدمها عند الحاجة إليها. لكن، وكما هو الحال مع أي خزانة، فإن ملء المحتويات لا يعني أن صاحبها قد أصبح حكيمًا، بل قد يصبح عبثيًا في انتقاء ما يحتاجه.

من الإيجابيات التي يتميز بها الذكاء الاصطناعي، وهي كثيرة ولا يمكن إنكارها، أنه يختصر الوقت والجهد بشكل ملحوظ، حيث يستطيع القيام بالعمليات الحسابية المعقدة، وتحليل كميات هائلة من البيانات، بل والمساهمة في إجراء العمليات الجراحية الدقيقة.

وبذلك، يرفع من مستوى الكفاءة إلى حدٍّ كبير، ويمنح الإنسان فرصة حقيقية للتفرغ للإبداع والتفكير

الاستراتيجي. لكن على صعيد السلبيات، يجب أن

يكون الإنسان واعيًا بأن هذا الذكاء ما هو إلا انعكاس لعقل صنعه البشر، وبالتالي يحمل في طياته كل حدود الغباء البشري ونقائصه. فهو يرتكب الأخطاء، ويكرر الأنماط، ويفتقد إلى الحدس الذي يميز العقل البشري عن أي آلة أو عن أي عقل آخر، كما أنه يفتقد لعنصر التنوع الذي طالما ميز الإنسان عن سائر المخلوقات، والذي جعله قادرًا على ابتكار حلول جديدة في مواجهة المواقف غير المتوقعة.

الأمر الأكثر خطورة أن الاعتماد المبالغ فيه على الذكاء الاصطناعي قد يجعل الإنسان فاقدًا القدرة على التفكير النقدي، فبدل أن يكون هو القائد، يصبح متفرجًا على قراراته، متشبثًا بخوارزميات صماء لا تعرف السياق الحقيقي للحياة ولا تدرك التعقيدات النفسية والاجتماعية التي تحيط بالإنسان.

وهنا، يكمن التحدي الحقيقي: كيف يمكن للإنسان أن يستخدم هذا الذكاء دون أن يصبح عبدًا له؟ كيف يمكن أن يظل العقل البشري حيًا نابضًا، قادرًا على التمييز والابتكار، وسط بحر من المعلومات التي لا يعرف متى تكذب ومتى تصدق؟ ربما الجواب يكمن في الاعتدال، وفي أن يجعل الإنسان من الذكاء الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، وليس سيدًا يملي عليه

قراراته. 

فالإنسان هو من صنع المشكلة، وعليه أن يجد لها الحل. مثلما صَنَع روبوتًا يعمل بالذكاء الاصطناعي، وجعله ينوب عنه في الكثير من الوظائف: طباخًا، وعامل نظافة، ومديرًا، وصانع سيارات، وغيرها.. عليه أن يستعين بهذا الذكاء ليُعيد إليه ما افتقده من أخلاقياتٍ ومثلٍ عليا، واحترامًا لنفسه ولأبناء جنسه. تلك الأخلاقيات التي انسلخ عنها الإنسان العصري كما تنسلخ الحيّات عن جلودها، رغم أنه كان وما زال

(إنسانًا) .. بكل أسف. بل إن العكس هو الصحيح، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر خُلُقًا واحترامًا من الإنسان (الغبي) الذي صنعه. فهل سمعنا يومًا عن إنسانٍ آليٍّ صُنِع بالذكاء الاصطناعي، قام أو حرّض أو حتى أشار إلى ارتكاب زنا المحارم، ذلك الفعل الذي نكاد نسمع عنه يوميًا، كنتاجٍ مشوَّهٍ لعقلٍ بشريٍّ في نسخته العصرية؟ بالطبع لا. كأن الذكاء الاصطناعي قد أصبح يمثل نسخةً مُعدَّلة من الإنسان، بعد أن تجاوز هذا الأخير كل حدود الإجرام في حق نفسه .. حتى استجارت منه شياطين الجن والأبالسة.

وعلى الإنسان أن يُحاسب نفسه بمنتهى القسوة، بل أن يجلد ذاته، وهو يتساءل: كيف سمحتُ لنفسي أن أصنع قدرةً آليةً تكنولوجيةً، أصبحت مع مرور الوقت، ومع تعاقب المتغيرات الديناميكية التكنولوجية، أكثر مني احترامًا، وأكثر امتلاكًا لأخلاقياتٍ لم أعد أملكها؟

أنت وحدك، أيها الإنسان، من تملك الإجابة عن هذا التساؤل، فأنت من صنعت المشكلة، وعليك أن تجد لها الحل.

القضية متشعبة وخطيرة .. ولكننا سنكتفي بهذا القدر. ومن يرغب منكم في استشراف مستقبل الإنسان العصري، فليرجع إلى قصة (سكان المريخ) التي كتبتها خلال صيف عام 2017.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني