التنمر المدرسي الوباء الصامت الذي يهدد مستقبل الأجيال
كتبت /تهانى هدهد
بدأت ظاهرة التنمر تنتشر بكثرة في الآونة الأخيرة في كل مكان من مجتمعنا؛ من الشارع والمدرسة إلى الجامعة والمنزل وحتى بيئات العمل، مما دفع علماء التربية للبحث العميق في أسباب هذه الظاهرة لخطورتها البالغة ومحاولة وضع حلول ناجعة لها. ويعتبر التنمر في المدارس، وهو أهم صور هذه الظاهرة، سبباً جوهرياً ومؤثراً في تعثر الكثير من الطلاب دراسياً ونفسياً واجتماعياً، إذ قد يدفع البعض إلى كره المؤسسة التعليمية وهجرها، مما ينذر بضياع جيل بأكمله إذا لم يتم تدارك الأمر.
ويعرف التنمر في أصله اللغوي بأنه تحول الشخص إلى طبع "النمر" في غضبه وسوء خلقه، أما اصطلاحاً فقد وضع "دان ألويس" تعريفاً دقيقاً بوصفه أفعالاً سلبية متعمدة ومتكررة يقوم بها طالب أو أكثر لإلحاق الأذى بطالب آخر. وتتعدد دوافع هذا السلوك العدواني، حيث يأتي انشغال الأسرة وغياب المتابعة السلوكية في مقدمة الأسباب، جنباً إلى جنب مع ظهور التمييز وانتشار العنف الأسري وقسوة المعاملة الوالدية، مما يولد لدى الطفل رغبة في التسلط لتعويض نقص تقدير الذات أو لفت الانتباه، وفي كثير من الأحيان يكون المتنمر نفسه ضحية سابقة لعنف مشابه، فضلاً عن التأثير السلبي لوسائل الإعلام والألعاب الإلكترونية العنيفة التي توهم المراهق بأن القوة هي الطريق الوحيد للتميز.
ولا يتخذ التنمر شكلاً واحداً، بل يظهر في صور متعددة تبدأ من التنمر اللفظي كالسخرية والاستفزاز، وتصل إلى التنمر الجسدي العنيف، وصولاً إلى التنمر العاطفي والاجتماعي عبر العزل ونشر الشائعات، وصولاً إلى التنمر الإلكتروني الحديث عبر منصات التواصل. ويمتلك المتنمر عادةً شخصية استبدادية تميل للسيطرة والغضب، بينما تظهر على الضحية ملامح العزلة والقلق وفقدان الثقة بالنفس، مما يؤدي حتماً إلى تدهور التحصيل الدراسي والخوف من المواجهة.
ولمواجهة هذه الظاهرة، لابد من تفعيل محاور العلاج التي تبدأ بالدور المحوري للأسرة في تقوية الوازع الديني وتعزيز الثقة بالنفس وبناء علاقة صداقة حقيقية مع الأبناء منذ الصغر لمراقبة سلوكياتهم وتصحيحها. ويأتي دور المدرسة مكملاً لهذا الجهد، عبر تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي والنفسي ووضع برامج تربوية شاملة تهدف لتغيير الثقافة المدرسية وتعزيز السلوكيات الإيجابية، مع ضرورة إشراك الطالب الضحية في أنشطة تدعم قدراته وتمنحه فرصة للتعبير عن ذاته بطلاقة. وتكتمل هذه المنظومة بدور الدولة والمجتمع في سن القوانين الرادعة ورفع الوعي الجماعي بمخاطر هذه الظاهرة، فبتضافر هذه الجهود نضمن وضع أقدامنا على الطريق الصحيح للقضاء على خطر التنمر وحماية نسيج المجتمع بأكمله.

تعليقات
إرسال تعليق