العمل عن بعد هل يُعد رفاهية العمل الحديث أم فخًّا من فخاخ الحداثة؟



محـمد العايدي


يذهب الموظف كعادته إلى مكتبه التقليدي ليقض

ساعاتٍ جامدة بين أوراقٍ وأجهزة حاسوب، يتعامل مع أكثر من شخص بشكل مباشر، ثم يعود إلى بيته حيث موطن إراحة الجسد بعد قضاء وقتٍ مرهق. ويكون ذلك نظير مقابلٍ مادي في أغلب الأحيان شهري. 

لكن في العصر الحديث، عصر الرفاهية، حيث وجود البدائل المتعددة لكل شيء تقريبًا، تغيّرت مسيرة التعب، وتحولت سبل السعي على الرزق لتصبح ذات طابع يفتقد التواصل مع الذات البشرية، ليصبح تواصلًا مع أزرار وشاشات حواسب وهمرتبطًا بمكتبٍ تقليدي أو ساعاتٍ جامدة، بل أصبح العالم بأكمله مساحة مفتوحة للعمل، كأن العالم بأسره قد صار مؤسسة كبيرة يعمل لديها أعداد ضخمة من الموظفين. يكفيك جهاز متصل بالإنترنت لتكون جزءًا من سوق عالمي لا يعترف بالحدود والمسافات. هكذا فرض العمل عن بُعد نفسه كأحد

أبرز ملامح العصر الحديث في مجال التوظيف،

خاصة بعد التحولات الكبرى التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة.

  ولأن للحياة أنماطًا متعددة، كل نمط منها يحمل وجهين، أحدهما محمود والآخر غير ذلك على طول الخط، نظرًا لتبعاته السلبية وآثاره التي تلحق الفرد بضررٍ نفسي تارة وجسدي تارة أخرى.

وفي العمل عن بُعد، الذي يمثل لغة سعي عصرية، سنتطرق إلى الجانب الإيجابي أولًا، والذي يتمثل في منح الإنسان حرية غير مسبوقة لا تحكمها أي معايير سوى توافر أجهزة تواصل اجتماعي متصلة

بالإنترنت، حرية المكان ومرونة الوقت، حيث لم يعد الموظف مضطرًا لقضاء ساعات طويلة 

في المواصلات أو الالتزام بنظام صارم قد لا يتناسب مع طبيعته الشخصية أو مع ظروفه الصحية 

(الإعاقة مثلًا). فلا شك في أن العمل عن بُعد قد أسهم في حل هذه المشكلة، كما خلق فرص عمل أوسع. كذلك نجد أن التوظيف لم يعد حكرًا على سكان المدن الكبرى، بل أصبح متاحًا لكل من يمتلك المهارة أينما كان.

إضافة إلى ذلك، ساعد هذا النمط على زيادة الإنتاج لدى كثيرين، لأن يعمل الفرد في بيئة مريحة تقل فيها الضغوط التقليدية، مما ينعكس إيجابًا على جودة الأداء.

لكن، وعلى الجانب الآخر، لا يخلو العمل عن بُعد من تحديات تمثل سلبيات وعوارًا حقيقية قد تحوّل هذه الميزة إلى عبء. منها، على سبيل المثال لا الحصر، العزلة الاجتماعية، فالعزلة الاجتماعية تُعد من أبرز سلبيات العمل عن بُعد، حيث يفقد الفرد التفاعل الإنساني المباشر مع زملائه أو العملاء، وهو ما قد يؤثر على حالته النفسية على المدى الطويل.

كما أن تداخل الحياة الشخصية مع العمل يجعل من الصعب الفصل بينهما، فيجد الإنسان نفسه يعمل لساعات أطول دون شعور، مما يؤدي إلى الإرهاق وفقدان التوازن، الذي قد يسبب نوعًا من أنواع التفكك الأسري، نعم التفكك الأسري، لأنه يجعل مشاعر الفرد متجمدة وردود فعله الحياتية تأتي في غير محلها.

 ولا يمكن إغفال أن بعض الوظائف تفقد حماسة العمل الجماعي والإبداع في رحاب فريق يتواصل مع بعضه بعضًا، والتي تُسمى روح الفريق أو روح العمل الجماعي. نجد أن هذه الأشياء النبيلة تفقد قيمتها وتتلاشى عندما تتحول إلى شاشات منفصلة، حيث يقل تبادل الأفكار بشكل تلقائي.

ونعود لنتحدث عن التفكك الأسري وعلاقته بتأثير العمل عن بُعد إذا بلغ حد العزلة، فنقول: إن الزوج الذي يمارس هذا النوع من العمل تجده يتعامل مع

أفراد أسرته في الكثير من الأحيان كما يتعامل مع لوحة المفاتيح، حيث يريد أن تُنفذ تعليماته وأوامره المباشرة بمجرد ضغطة زر تعطي الأمر لينفذ في الحال، وهو أمر غير وارد في إدارة العلاقات البشرية، لا سيما تعامل الفرد مع أفراد أسرته.

وهنا يقفز السؤال إلى الأذهان: هل العمل عن بُعد هو الحل المثالي، أم أنه مجرد مرحلة انتقالية؟ الحقيقة أن الإجابة لا تكمن في الرفض أو القبول المطلق، بل في تحقيق التوازن. ذلك أن المغالاة في كل شيء تعطي نتائج عكسية تؤثر بالضرورة على صحة الفرد على المستويين الجسدي والنفسي. ونحن لا ندعو إلى منع العمل عن بُعد لما فيه من عيوب وأضرار، على الرغم من أنه بالقياس سنجد أن مميزاته أقل من عيوبه، لكننا ندعو إلى الجمع بين العمل التقليدي والعمل عن بُعد فيما يُعرف بالنظام الهجين، ليحقق التوازن. ونرى أن هذا هو الخيار الأمثل والأنسب أيضًا، حيث نحافظ

على مرونة العصر دون أن نفقد إنسانيتنا، التي نحن بحاجة دائمة إليها. نحتاج حتى إلى عيوبها مثلما نحتاج إلى الاستفادة من مميزاتها. فلا يصح أن نغفل أننا جميعًا، في نهاية أي أمر، إنسان.

ويظل العمل عن بُعد أداةً، مثل غيره من مستحدثات الرفاهية الحياتية، يمكن أن تكون وسيلةً للحرية أو سببًا للفوضى، ويتوقف ذلك على كيفية استخدامنا لها، بحيث لا نفرط في استخدامها.

فالإنسان، كعادته، مثلما هو قادر على صنع المشكلة، هو قادر على صنع الحل لها، والمشكلة لم ولن تكن في الفكرة، أية فكرة من أي نوع، بل تكمن المشكلة في كيفية تنفيذ الفكرة على أرض الواقع.

تعليقات

  1. شكرا جزيلا لحضرتك دكتورة منى وسعيد جدًا بأن المقال عجب حضرتك

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني