السوشيال ميديا واضطرابات المزاج
كتب /محمد الذهبى
أصبح استخدام برامج التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا أحد أبرز سمات عصرنا الحديث، فمنصات مثل فيسبوك وإنستغرام وغيرهما الكثير، كانت الغاية من ابتكارها هي زيادة التقارب الإنساني، حتى أن تلك الغاية تظهر بجلاء في اسمها المشتق من التواصل الاجتماعي. ولكن، هل حققت هذه البرامج الهدف الرئيس منها وهو تعميق الروابط، أم استُبدلت الغاية بضدها لتصبح لعنة وعبئاً إضافياً يثقل حياتنا الحديثة؟
إن المتأمل في واقعنا يكتشف أموراً هامة خلفتها هذه المنصات؛ فأولاً، جعل الاستخدام الإدماني لهذه البرامج التواصل الاجتماعي الفعلي ضئيلاً جداً مقارنة بالافتراضي، حتى باتت أسمى الواجبات الإنسانية -كالتعزية في حالات الوفاة- تُختزل في كلمات مقتضبة أو تعبيرات رمزية حزينة توضع على منشور. كما تراجع الدعم النفسي الحقيقي الذي يتطلب المواجهة وجهاً لوجه، ليصبح مجرد مواساة كتابية في المجموعات الافتراضية، ولعل في حادثة انتحار البلوجر بسنت سليمان خير دليل؛ إذ فتحت بثاً مباشراً لساعة كاملة تستغيث، ولم تكن النتيجة سوى فيض من النصائح الكتابية على الشاشة، بينما لم يتحرك أحد فعلياً لإنقاذها على أرض الواقع.
علاوة على ذلك، أحدثت كثرة توثيق ونشر الأحداث المأساوية والحزينة حالة من التبلد في المشاعر -عافانا الله جميعاً- داخل العقل الجمعي، حيث صار مشهد الألم اعتيادياً. إن استمرار هذا التدفق المأساوي على "التايم لاين" يحفز ظهور الأمراض لدى من لديهم استعداد جيني لاضطرابات المزاج، كالاكتئاب، ويزيد من حدة المعاناة لمن يعانون فعلياً من اضطرابات نفسية. فدورة حياة المريض النفسي تتشكل من استعداد جيني يولد به بنسبة عشرين بالمئة، تلتقي مع عوامل بيئية محفزة بنسبة ثمانين بالمئة مثل المحيط الأسري، ومؤخراً السوشيال ميديا والإعلام؛ فيتحول الشخص من مريض متكيف إلى مريض تظهر عليه أعراض الاضطراب كاملة بمجرد وقوع حدث قاطع، وغالباً ما يكون دور البيئة هنا هو انتهاج سلوكيات خاطئة تغذي ذلك الاستعداد الجيني.
وفي النهاية، تظل النصيحة الأهم هي ألا تترك نفسك فريسة لبرامج التواصل الاجتماعي، فاستعد توازنك النفسي بعيداً عن أسر الشاشات.

تعليقات
إرسال تعليق