قلوبٌ متصلة وأرواحٌ منقطعة كيف نبدّد إنسانيتنا في زمن الإشعارات؟
كتبت /ناهدة محمد ذيب عمران
لم تعد المأساة في أن العالم أصبح قريةً صغيرة، بل في أن القلوب داخل هذه القرية اتّسعت مسافاتها. نحن نرى بعضنا أكثر من أي وقت مضى، لكننا نشعر ببعضنا أقل من أي وقت مضى. في هذا الزمن، لم تعد العلاقات تُبنى على ما يُقال بقدر ما تُختزل في ما يُعرض، ولا على ما يُعاش بقدر ما يُنشر.
لقد تغيّرت وظيفة العلاقة دون أن ننتبه. لم تعد مساحة للطمأنينة بقدر ما أصبحت منصة للعرض، ولم تعد ملاذًا إنسانيًا بقدر ما صارت ساحة تقييم مستمر. نُقاس بعدد من يرانا، لا بعدد من يفهمنا. نُطمئن أنفسنا بكثرة الأسماء في قائمة الاتصال، بينما نخفي قلقًا عميقًا من غياب اسم واحد قادر على احتواء صمتنا.
في العمق، لا تكمن السطحية في قلة المشاعر، بل في سرعة استهلاكها. نحن لا نعاني من ندرة الإحساس، بل من تآكله السريع. نُبدي اهتمامًا لحظيًا، ونمنح حضورًا مؤقتًا، ثم نمضي كما لو أن شيئًا لم يكن. كل شيء قابل للاستبدال، حتى البشر. وهذا أخطر ما أنتجته ثقافة التفاعل السريع: تحويل الإنسان من قيمة إلى خيار.
لقد أصبحت العلاقات تُدار بعقلية “الإشعار”: تظهر فجأة، تُحدث أثرًا سريعًا، ثم تختفي دون التزام. ومع تكرار هذا النمط، يتآكل في داخلنا معنى الثبات. نفقد القدرة على الصبر، على الإصغاء، على احتمال التعقيد الإنساني. نريد علاقات سهلة، واضحة، سريعة… لكننا ننسى أن أعمق ما في الإنسان لا يُفهم بهذه السرعة.
ومن زاوية أكثر قسوة، فإن هذا الشكل من العلاقات يعيد تشكيل وعينا بأنفسنا. نبدأ برؤية ذواتنا كما يراها الآخرون، لا كما نعرفها نحن. نُجمّل ما يمكن عرضه، ونُخفي ما يحتاج إلى احتواء. ومع الوقت، ننفصل عن حقيقتنا، ونعيش نسخة مُعدّلة من ذواتنا، تُناسب المشاهدة لكنها لا تحتمل الحياة.
أما الوحدة، فلم تعد غياب الناس، بل غياب الصدق بينهم. أن تكون محاطًا بكل هذا الضجيج، ولا تجد من يسمعك دون أن يحكم عليك، أو من يبقى حين تختفي عن الشاشة. هنا تحديدًا، تتجلى هشاشة العلاقات: حين لا يصمد شيء خارج الضوء.
ورغم هذا كله، لا يمكن أن نُدين الوسائل بقدر ما يجب أن نراجع أنفسنا داخلها. فالمشكلة ليست في “التواصل”، بل في اختزاله. ليست في القرب الرقمي، بل في استبداله عن القرب الإنساني. نحن من سمح للعلاقة أن تصبح سطحًا، حين توقفنا عن الغوص.
إن استعادة عمق العلاقات لا تبدأ بإلغاء الوسائل، بل بإعادة تعريف الحضور. أن نكون حقيقيين أكثر مما نحن ظاهرون. أن نمنح وقتًا لا يُقاس بسرعة الرد، بل بصدق الاهتمام. أن نُدرك أن بعض الصمت يحتاج إلى لقاء، وبعض الألم لا يُكتب، وبعض العلاقات لا تعيش إلا خارج الشاشة.
في النهاية، ليست الخسارة في أن نملك علاقات كثيرة، بل في أن نفقد القدرة على بناء علاقة واحدة حقيقية. هناك، حيث لا إشعارات… لكن يوجد قلب يعرف كيف يبقى...

It is very painful when feelings become a button press.
ردحذف