سكرة السلطة ووهم الخلود حين تبتلع المناصبُ أصحابها

 


كتب /أسامة ضاحى البنا

​من واقع التجربة الشخصية ومعايشة نماذج شبابية شتى، تجلت لي حقيقة مؤسفة: إن المناصب قد تتحول إلى فخٍّ يحاصر النفس، فتستدرجها نحو حبائل الغرور وجنون العظمة. لطالما كنا أحزمة أمانٍ وداعمين لهؤلاء الشباب في مقتبل طريقهم، نرقب فيهم بذور الأمل لمستقبل مشرق؛ لكن، ويا للأسف، بمجرد أن يتقلدوا مقاليد الأمور، تنقلب الآية وتتشوه رؤيتهم لذواتهم، حتى يخيّل إليهم أنهم "محور الارتكاز" الذي لولاه لما دارت عجلة النجاح.

​إن الغرور يدفع المرء لتقدير ذاته فوق حجمها الحقيقي، فيتوهم أنه الرقم الصعب الذي لا يُستغنى عنه. والمثير للتأمل أن هذا الزيف ينكشف جلياً حين يضطرون للتنحي أو يُسلب منهم القرار؛ في تلك اللحظة تبرز هشاشتهم الداخلية، ويعجزون عن تقبل الواقع، فيلجؤون لإثارة الصراعات، وكأن التمرد والرفض هما وسيلتاهم الوحيدتان لمواجهة التغيير.

​يصيبني الذهول حين أرى أولئك الذين كانوا يوماً عنواناً للتواضع والتفاني، كيف استحالوا إلى شخصيات ترى في كل من يخالفها عقبةً يجب إزاحتها. لقد أعمى جنون العظمة بصائرهم، فصاروا يتوهمون أن الكون يدور حولهم، وفسروا كل اختلاف في الرأي على أنه "مؤامرة" ضدهم، غافلين عن أن المشكلة الحقيقية تكمن في ذواتهم المتضخمة لا في نوايا الآخرين.

​إن ما يستدعي التفكر هو هذا التأثير الطاغي للسلطة على النفس البشرية. فالمناصب في جوهرها "تكليف" لا "تشريف"، ومهمة وطنية وليست منصة لإثبات التفوق الشخصي. ومع ذلك، يسقط الكثيرون في شرك التعالي، ويبدؤون بالنظر إلى الناس من أبراج عاجية، مقللين من شأن كل من لا يسبح بحمدهم أو يتبنى رؤيتهم.

​هذه السلوكيات لا تغتال روح الفرد فحسب، بل تسمم بيئة المجتمع بأسره؛ إذ يحول الغرور القيادة من مصدر إلهام وإيجابية إلى منبع للصراع والتوتر. لذا، وجب علينا جميعاً -لاسيما القيادات الشابة- أن نعي جيداً أن التواضع هو "ماركة" القائد الحقيقي، وأن النجاح ثمرة جهد جماعي لا بطولة فردية زائفة. فالمناصب سحابة صيف عابرة، أما القيم والمبادئ فهي الجذور الراسخة.

​و "أن تضيء شمعة صغيرة خير من أن تلعن الظلام"؛ فالعلاقات الإنسانية لا تُقاس بطول السنين، بل بجميل الأثر وعمق البصمة. السمو الأخلاقي، والهيبة الحقيقية، وعزة النفس، كلها صفات تُنتزع بالأفعال لا بالألقاب والمهام. فلنكثف الجهود، عبر الندوات والمحاضرات، لنغرس في العقول حقيقة واحدة: المناصب زائلة، والقيم هي الخالدة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني