قصة قصيرة» ﴿لن نزاحم هناك﴾

 


كتب /حسن نوفل

حين يضيق بنا المكان ونزاحم الآخرين بحثا عن موضع صغير في هذا العالم وحين لا نجد متسعا لنا بينهم ولا رحمة تخفف ثقل الازدحام حين ندفع إلى الزحام دفعا فلا نكاد نلتقط أنفاسنا في طرقات لا تعتعرف بحقوقنا ولا تمنحنا أبسط ما نطلبه من الحياة وحين يغيب العدل عن تفاصيل الأيام فيعلو الغني دون رحمة ويتقدم صاحب القوة بلا إنصاف وتنسي قلوب كان يفترض ان تري قبل ان تهمل وحين تصبح وسائل الحياة اليومية اختبارآ صعبا للكرامة بدل ان تكون حقا بسيط مكفولآ للجميع وحين يبقي البيت وحده هو المساحة الوحيدة التي تحتملنا وتحتوي تعبنا وتمنحنا شيئآ من الأمان وسط عالم لا يشبهنا عالم نبحث فيه عن مكان لا بزاحم فيه أحد ولا يدفع فيه أحد إلى الهامش وحين ندرك ان أبسط حقوقنا في الحياة صار حلم ننتظره بصبر طويل وكأننا ننتظر شيئا بديهيا في عالم نسي البساطة وحين نزاحم في بلاد لا تشبه احلامنا نكتشف ان الرحمة ليست عائبة لكنها احيانآ تحتاج من يعيد تذكير العالم بها 


في أحد الكمبوندات السكنية كان أحد السكان يغلق باب شقته استعدادا للخروج مع زوجته ثم نزل إلى سيارته ووضع المفتاح بداخلها وهم بالانطلاق وفي تلك اللحظة كانت هناك أم تقف برفقة ابنها من ذوي الإعاقة يجلس على كرسي متحرك تحاول ان تعبر به الطريق داخل المكان كاد الرجل أن يندفع بسيارته ثن توقف فجأة ونزل مسرعا وقد بدا عليه الغضب الشديد وبدأ يوجه كلاما قاسيا للأم نظرة ضيق ورفض كأن هذا الحي لا يتسع الا لفئة بعينها كان حديثه مليئا بمعان جارحة عن الإعاقة والقدرة وكأن حق التواجد يمنع للبعض وينتزع من اخرين متناسيا أن الإنسانية لا تقاس بالمظهر ولا بالقدرة الجسدية بل بالرحمة والعدل واحترام الآخر وفي وسط هذا المشهد بقيت الأم واقفة بصمت تحتضن ابنها بعينيها قبل يديها بينما كشف الموقف عن فجوة اعمق من المكان نفسه فجوة فالقلوب قبل الطرقات وكان هذا الرجل متسرعا وقد امتلآ قلبه فرحا بحمل زوجته الاول اذ كان في طريقه للاطمئنان عليها وفي أحد الأيام ايضا رغبت الزوجة في الذهاب في مشوار باستخدام المترو أحد وسائل النقل العام كان الزوج رافضا في البداية ثم وافق في النهاية واثناء ركوبهما المترو وفي إحدى المحطات صعدت أم اخري بصحبة ابنها من ذوي الإعاقة وكانت الحالو الصحية للطفل لا تتحمل الوقوف فرفض الزوج والزوجة إعطاءهما مكانآ وتمسكآ برفضهما بحجة انهما في انتظار ابنهما الاول وان الزوجة لا يمكنها القيام بسبب تثبيت حملها وتحدثا مع السيدة بطريقة لم تكن لائقة وبقي الطفل واقف طوال الطريق واقف علي قدميه النحيفتين 


كما تدين تدان ليست مجرد جملة تقال بل حقيقة تتكشف في صمت الأيام 

من انت ايها الثري حتى تتكبر علي الناس بغرورك القاسي الذي خلا من الرحمة تحول قلبك إلى قسوة كالحجارة وسط عالم لا يزداد ظلمة كل يوم وكأنك نسيت قيمة الإنسان ليست فيما يملك بل فيما يمنحه لغيره من إنسانية 

مرت الأيام حتى جاء امتحان الحياة مختلفا هذه المرة ليس كما يتوقع الإنسان بل بما لا يملك له ردا ولا استعدادآ فوجد الزوجان نفسيهما أمام الم كبير هز حياتهما هزآ وترك في قلبهما حزنآ عميقا غير كلما عرفاه من قبل وفي خضم هذا الانكسار حدث ما لم يكن في الحسبان فقد رحل طفلهما وترك خلفه فراغا لا يملأ وصمتا ثقيلا لم تستطع الكلمات ان ترفعه لم تكن اللحظة تفسيرا لشئ ولا جوابا لكنها كانت كسرآ عميقآ في داخلهما جعلهما يقفان وجها لوجه أمام معنى الألم ومعني الرحمة ومعني الإنسان حين يجرد من كل شيء الا مشاعره بعد رحيل ابنه لم يعد الرجل كما كان من قبل كأن شيئآ في داخله قد انكسر بلا رجعة ليس فقط من الم الفقد بل من ثقل ما بدأ يراه في نفسه لاول مرة بوضوح 

كانت ذكرياته تعود إليه واحدة تلو الآخري مواقف قاسية كلمات لم يلق لها بالا نظرات ضيق تجاه الآخرين وخصوصا تجاه ذوي الإعاقة أشياء كان يظنها عابرة لكنها الآن عادت لتقف امامه كمرآة لا ترحم اصبح يجلس طويلا في صمت يراجع نفسه مرارآ وكأن عقله يبحث عن تفسير لكل ما كان وعن طريقة يصلح بها مالا يصلح بسهولة لم يعد الغضل يملأه كما كان بل حل مكانه شعور تقيل بالندم واسئلة لا تنتهي كيف كان يري الناس بهذا الضيق وكيف غابت عنه الرحمة وهو الذي كان يظن نفسه طبيعيا في حكمه علي الأشياء وفي أعماقه بدأ يتكون إدراك جديد أن إصلاح النفس لا يبدا بالكلمات بل بالاعتراف ثم محاولة ان يصبح إنسانا مختلفا عما كان عليه يومآ 

هل تعرف شيئآ عن التحديات اليومية لذوي الإعاقة هل تدرك كم من الوقت نتنظر لمجرد ان يتوقف لنا باص يراعي وجودنا او وسيلة نقل تمنحنا حقنا البسيط في الحركة دون عناء؟ 

هل تفهم معنى أن يكون الانتظار جزءا ثابتا من يومنا وان نصبر علي ما يتحمله الكثيرون ليس لأننا اقوي بل لأننا مضطرون

يا من تملك سيارة وتتنقل بسهولة تذكر ان ما تراه امرآ عاديآ هو بالنسبة لغيرك رحلة طويلة من الصبر والتحدي ليست. دائما كما تبدو من داخل مقعد مريح 

بعد فترة من الألم والحزن لم يعد الرجل كما كان قبلا لم يعد يكتفي بالندم او الصمت بدل بدأ ينظر إلى العالم بعين مختلفة كأن ما مر به قد فتح داخله بابا لم يكن يراه من قبل 

صار يفكر كثيراً في ذوي الإعاقة وفي تفاصيل يومهم التي لم يكن ينتبه لها سابقا خصوصا في وسائل النقل العام حيث الزحام والانتظار وصعوبة الحصول علي مقعد مناسب وبدأ يسأل نفسه بإلحاح لماذا لا تكون هناك وسيلة نقل مخصصة لهم وحدهم تمنحهم مساحة أوسع وراحة اكبر وتخفف عنهم عناء الطريق كانت الفكرة تزداد في ذهنه يومآ بعد يوم كأنها محاولة لإعادة التوازن لما اختل في داخله لم يعد الأمر مجرد فكرة عابرة بل اصبح حلمآ يسعي لتخيله في صورة مشروع او اختراع وسيلة نقل تراعي احتياجاتهم وتمنحهم ما افتفدوه طويلا من الراحة والاحترام في الطريق ومن هنا بدأ اولب خطواته نحو فكرة مختلفة فكرة لم تولد من الراحة بل من الألم ومن إدراك متأخر ان يكون الطريق عادلا للجميع فكانت فكرته ان يصنح عربة مخصصة لهم عربة لا تزاحمهم ولا تقصيهم بل تنتظرهم تقف في كل محطة ربع ساعة لا استعجال فيها ولا ضيق كأنها تقول لكل من تأخر او ارهق مازال لك مكان سماها عربة الرحمة اسما بسيطا لكنه يحمل ما افتقده كثيرون طويلا لم تكن مجرد وسيلة نقل بل كانت فكرة تحولت إلى واقع ومع الوقت أصبحت تلك العربة نقطة ضوء في طرق اعتادت الزحام وساعدت الكثير من ذوي الإعاقة على أن يجدوا مكانا امنا وراحة لم تكن متاحة من قبل وهكذا ادرك الرجل ان الألم رغم قسوته قد يفتح أبوابا لم نكن نراها وأن من فلب المعاناة قد تولد أفكار بديعة تحمل في داخلها شيئا من الإبداع وكثيرا من الرحمة 


العبرة 

لن نزاحم هناك ليس في في وسائل النقل العام فقط بل في قلوب الناس أيضا 

نحن لا نطلب اكثر من رحمة تشعرنا أننا مرئيون وان لينا مكان بينكم دون أن ندفع او نهمل لسنا هنا لناخد مكان أحد ولا لنضيق على غيرنا بل نبحث عن مساحة بسيطة عن مقعد يمنح بأحترام وعن كلمة تقال بإنسانية نريد أماكن نستطيع الجلوس فيها دون خوف من نظرة او قسوة كلمة او استهانة لا مبرر لها 

كن عونا لا عبئا وسندا لا سببا للألم وإن تستطع أن تقوم من مكانك لعذر لديك فلتكن كلماتك رحيمة ونظرتك مقدرو وتعاملك قائما علي الاحترام فنحن قد نتحمل الوقوف طوال الطريق لكننا لا نحتمل أن نري من نحب يهان او أن تمس كرامتنا لأجل شئ لا قيمة له وكونوا رحماء بينا فالحياة دول وما نمنحه اليوم من إنسانية قد نحتاجه غدا وفي نهاية الطريق ليست الطرق هيوما يجب أن يتسع بل القلوب بإن ضاقت القلوب فلن تجدي الف عربة وإن اتسعت صار لكل إنسان مكان 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني