ثورة المسارات كيف يحررنا النقل المستدام من سجون الأسفلت
كتبت /نورهان صابر محمد
أزمة الحركة في مدننا المعاصرة تجاوزت فكرة "الزحام" لتدخل في صلب التهديد الوجودي لجودة الحياة، فالنقل المستدام الذي يروج له الكثيرون ليس مجرد استبدال محرك احتراق ببطارية ليثيوم بل هو ثورة على "عصر الأسفلت" الذي استهلك أعمارنا ومواردنا الحقيقة أننا صممنا مدننا لخدمة المحركات لا البشر والنتيجة كانت مدناً مخنوقة وشوارع لا تطاق وهنا تبرز فلسفة الاستدامة كطوق نجاة يعيد صياغة المعادلة فالمسألة تبدأ من التخطيط الذي يكسر احتكار السيارة الخاصة للمجال العام ويتجه نحو تقصير المسافات لدرجة تجعل المشي أو ركوب الدراجة خياراً بديهياً لا تضحية بدنية وهذا التحول وحده كفيل بخفض التوتر النفسي والهدر المادي قبل الحديث عن خفض الانبعاثات الكربونية
وإذا نظرنا لعمق الأزمة سنجد أن النقل الجماعي هو الحل الوحيد القادر على إنقاذ اقتصادياتنا المنهكة إذ لا يمكن لدولة أن تنهض بينما يقضي مواطنيها ثلث يومهم في الطرقات لذا فإن الاستثمار في شبكات المترو والقطارات السريعة والحافلات الترددية ليس مشروعاً هندسياً بل هو استثمار في الوقت الضائع الذي يقدر بمليارات الدولارات سنوياً هذا الربط الذكي المدعوم بالبيانات يضمن وصول العامل لورشته والطالب لجامعته بكرامة وكفاءة مما يحقق نوعاً من العدالة الاجتماعية التي تفتقدها الأنظمة القائمة على التميز الطبقي للسيارات الفارهة وهو ما يحول المدينة من غابة أسمنتية إلى مجتمع نابض بالحياة
إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في القدرة على تغيير العقلية الاستهلاكية والسياسات التي تدعمها فالاستدامة في النقل تعني بالضرورة تقليل الهدر في الطاقة والمساحات المخصصة لانتظار السيارات التي تكون ثلث مساحة المدن وبدلاً من ذلك يمكن استغلال هذه الموارد في خلق فضاءات خضراء ترفع من القيمة السوقية والإنسانية للعقار نحن أمام لحظة فارقة تتطلب تشريعات جريئة تفرض الضرائب على التلوث وتكافئ الابتكار في النقل التشاركي فالأمر لا يتعلق فقط بحماية المناخ للأجيال القادمة بل بإنقاذ ما تبقى من عمرنا الحالي في مدن صالحة للتنفس والحركة والاعتراف بأن استمرارنا في المسار التقليدي هو انتحار بطيء لم يعد أحد يملك رفاهية الانتظار لتجنبه.

تعليقات
إرسال تعليق