تطوير المنظومات أم تأهيل الإنسان؟.. قراءة في أولويات دعم ذوي الإعاقة

كتبت /منى منصور السيد


في الوقت الذي تخرج فيه البيانات الصحفية لتعلن عن منح دولية بمليارات الجنيهات لتطوير منظومات الشكاوى وإنشاء مراصد الحقوق، يبرز سؤال جوهري يفرضه الواقع المرير حول ما إذا كان ذوو الإعاقة في مصر بحاجة إلى مرصد ليرصد معاناة يعرفها الجميع، أم إلى دواء ومعاش وفرصة عمل تحفظ كرامتهم. إن النقد الموجه لمثل هذه المشروعات لا يستهدف فكرة التطوير في حد ذاتها، بل يستهدف اختلال الأولويات الذي يظهر بوضوح في فخ الدعم الفني والنتائج غير الملموسة؛ حيث تُنفق مبالغ ضخمة على الدراسات والمستشارين والبرمجيات، بينما يظل المواطن البسيط يبحث عن ثمن جرعة علاج أو وسيلة انتقال ميسرة، مما يجعل التطوير يبدو وكأنه جزر منعزلة بعيدة كل البعد عن الأوجاع الحقيقية للناس.

وتتجلى أزمة الأولويات في تقديم تحديث الورق على كفاية اليد، إذ لا يمكن إقناع مواطن يعاني من وقف معاش تكافل وكرامة أو عجز عن توفير المستلزمات الطبية الأساسية بأن الأولوية هي إنشاء منظومة شكاوى، فتطوير الهياكل الإدارية يظل هيكلاً بلا جسد إذا لم يرافقه تدفق مالي مباشر يدعم الخدمات الصحية والاجتماعية، فالمواطن لا يأكل تقارير المرصد بل يحتاج إلى سياسات تحميه من غول التضخم. كما يبرز التمكين الاقتصادي كغائب حاضر في هذه المشروعات؛ فالتأهيل الحقيقي يبدأ من تحويل الفرد من متلقٍ للإعانة إلى عنصر منتج، وكان من الأولى توجيه المنح لإنشاء مصانع مجهزة أو تمويل مشروعات متناهية الصغر وفرض برامج تدريب تربطهم بسوق العمل الرقمي بما يضمن لهم دخلاً ثابتاً يغنيهم عن انتظار المساعدات.

إن التناقض بين هذه المنظومات والواقع البيروقراطي يعكس فجوة عميقة، فكثيراً ما تُصمم هذه الأدوات بمعايير دولية لا تلمس الواقع المصري المعقد، ولا فائدة من منظومة شكاوى متطورة إذا كانت الاستجابة تصطدم بميزانيات ضعيفة أو تعنت في مكاتب التأهيل، فالإصلاح يجب أن يبدأ من توفير الخدمة أولاً ثم تطوير وسيلة الشكوى منها ثانياً. إننا بحاجة إلى ثورة في فكر المنح الدولية والتعاون الإنمائي لكي تخرج من حيز الرفاهية الإدارية إلى حيز الإنقاذ الاجتماعي، فتأهيل الإنسان يبدأ بتمكينه من حقه في العلاج وضمان دخل كريم له وفتح أبواب العمل أمامه، أما المنظومات والمراصد فهي أدوات تكميلية لن تجدي نفعاً إذا كان الأساس وهو حياة الإنسان يعاني من التهميش والحرمان.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني