تراجع واشنطن وانكسار الهيبة كيف أعادت طهران صياغة قواعد الاشتباك؟
كتبت /منى منصور السيد
تعد القراءة التحليلية للمشهد الراهن، في ضوء ما يطرحه الخبراء الاستراتيجيون وفي مقدمتهم اللواء سامي دنيا، مؤشرًا على تحول جذري في إدارة الصراع الإقليمي والدولي، حيث يكشف التراجع الأمريكي عن تحديد سقف زمني للهدنة عن أزمة ثقة عميقة في القدرة على إنفاذ الإرادة السياسية، فنحن أمام مشهد يبتعد فيه البيت الأبيض عن دور "المايسترو" الذي يفرض الشروط ليتحول إلى طرف يحاول امتصاص الصدمات، بينما تعتمد طهران استراتيجية "النفس الطويل" وتفتيت الأهداف الأمريكية عبر المناورة الدبلوماسية المزدوجة، مما يظهر الإدارة الأمريكية في حالة انكشاف سياسي يجعل من تصريحاتها مجرد ردود أفعال تفتقر للمبادأة، وهذا الانقلاب في موازين القوى يعيد صياغة مفهوم الهيبة الدولية التي لم تعد تُصنع بالتصريحات النارية بل بالقدرة على التحكم في توقيت واتجاه التصعيد.
ويتصل هذا الارتباك الأمريكي بجملة من الحسابات الاقتصادية المعقدة، فعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط يلقي بظلاله مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد، والضغط الإيراني لا يُمارس فقط عبر القوة العسكرية بل عبر التلويح بالقدرة على التأثير في الممرات الملاحية، وواشنطن تدرك أن أي فشل في التوصل لصيغة تهدئة سيعني ارتفاعًا في تكلفة التأمين البحري وتذبذبًا في أسعار النفط، وهو ما لا ترغب فيه الإدارة الحالية في ظل ضغوط اقتصادية داخلية تفرض عليها تجنب الدخول في استنزاف مالي طويل الأمد.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يعكس هذا المشهد حالة من التشكك لدى الرأي العام العالمي في القدرات القيادية الأمريكية، فالميل نحو التبرير ووصف المواعيد السابقة بـ "الكلام الفارغ" يضعف الصورة الذهنية للقيادة الأمريكية، وهناك إدراك متزايد بأن القوى الإقليمية أصبحت تمتلك أدوات تأثير تجعلها قادرة على مواجهة القوى العظمى بهدوء أعصاب، مما يغذي شعورًا بضرورة الاعتماد على الذات وبناء تحالفات مبنية على المصالح المشتركة بعيدًا عن الإملاءات التي أثبت الواقع أنها قابلة للتراجع، إن ما يحدث اليوم هو تجسيد لما يحذر منه الخبراء الاستراتيجيون؛ فالواقع لا يعترف إلا بالقوة ومن يمتلك خيوط اللعبة على الأرض هو من يكتب قواعدها في النهاية.

تعليقات
إرسال تعليق