جفاف القلوب في زمن الصخب مأساة غياب المودة والرحمة
كتب /عصام حسين الأزهرى
انطلاقاً من قوله تعالى: (وجعل بينكم مودة ورحمة)، نجد أنفسنا اليوم أمام تساؤل مرير يفرضه واقع مشبع بالتقلبات الأخلاقية التي بدأت من الفرد لتلقي بظلالها على المجتمع بأسره؛ إذ بات المرء يشعر بغربة هذه القيم وكأن المودة والرحمة قد توارتا عن بيوتنا وشوارعنا وحتى فضائنا الرقمي. فهل هي ضغوط الفقر والاحتياج، أم هو التباين الفكري وقلة الوعي؟ أم أن غياب "الكبار" بمكانتهم وهيبتهم جعل كل منا يرى في نفسه المرجعية الوحيدة، فضاع التوقير؟ لا يمكننا هنا إغفال دور الإعلام وما يبثه من قيم مادية تكرس لنظرية "البقاء للأقوى"، حيث الهيمنة للمصلحة الشخصية على حساب المبادئ الإنسانية والدينية، لنكتشف في نهاية المطاف أن المشكلة في جوهرها أخلاقية وإيمانية؛ فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يُرفع إلا بتوبة وعودة صادقة للذات.
إن استعادة هذا الميزان المفقود تبدأ من "القدوة" التي تترجم المبادئ إلى واقع ملموس في كل ميدان عمل، ومن قلب الأسرة التي هي منبع الرحمة الأول بين الآباء والأبناء، وصولاً إلى تفعيل دور الجهات المختصة في الرعاية النفسية. ويظل للمسجد والمدرسة الدور المحوري في إعادة بناء الإنسان نفسياً عبر بث روح الأمل والتفاؤل، فما أصدق القول بأننا نعيب زماننا والعيب فينا، ولو نطق الزمان لهجانا؛ إذ من المحزن أن تنزع الرحمة من القلوب بحجة السعي خلف المال أو التأثر بمنصات إعلامية غير هادفة غيّبت هوية مجتمعنا الشرقي وأصالتنا المصرية.
لقد حان الوقت لنعود إلى تلك القاعدة الذهبية: "من ليس له كبير، فليبحث له عن كبير"، لنفسح المجال لأهل الاختصاص والحكمة في كل ميدان، مذكرين أنفسنا بأن "من لا يرحم لا يُرحم". فالمودة والرحمة هما الأساس الفطري الذي نراه يتجلى حتى في عالم الحيوان، فما بالنا نحن البشر وقد خُلقنا لنكمل بعضنا لا ليضر بعضنا بعضاً؟ إن القسوة التي حذر منها القرآن الكريم في قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة)، هي الإنذار الذي يجب أن يوقظنا لنعيد ترميم ما تهدم من أخلاقنا قبل أن تستحيل القلوب صخراً لا ينبض بالحياة.

تعليقات
إرسال تعليق