الطلاق ... والسكينة



كتب /محمد الذهبى

لا يخفى على القاصي والداني تلك الآثار الكارثية التي يخلّفها الطلاق في جسد المجتمع، فهو ليس مجرد انفصال عابر، بل هو هدم لأركان الأسرة التي تمثل اللبنة الأولى لبناء المجتمع؛ فالمجتمع ما هو إلا مجموعة أسر وبيوت، وحين يحدث الطلاق تتفكك الأسرة ويتشرد الأطفال ويتحمل الزوجان من الضغوط ما لا يطيقانه. وإذا ما تأملنا الواقع المعاصر، سنجد تساؤلاً ملحاً يفرض نفسه: لماذا انتشر الطلاق بهذه الكثرة المخيفة في العشرين سنة الماضية؟ خاصة وأن مصر تتربع على صدارة النسب عالمياً، حيث ترصد الإحصائيات حالة طلاق كل 1.5 - 2 دقيقة، وهو ما يشير بوضوح إلى وجود خلل عميق ناتج عن غياب السكينة والوعي، والانسلاخ من الهوية الإسلامية والفطرة السوية السليمة لكل من الرجل والمرأة.

وإذا تناولنا "غياب السكينة" بنوع من التفصيل، نجد أن الله تعالى لخص دستور العلاقة الزوجية في سورة الروم حين قال: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً"؛ فكلمة "لتسكنوا إليها" تأتي من السكون والهدوء، كما كان العرب قديماً يقولون "سكنت الريح" أي هدأت. والمقصود هنا بالسكن هو الاستقرار النفسي والعاطفي، والاحتواء الذي يمنح الجوارح سكينتها. بيد أن المشكلة تكمن أساساً في الصراع المنتشر بقوة في الحقبة الأخيرة حول "من الذي يبدأ بالاحتواء، هل الزوج أم الزوجة؟"؛ وهو صراع أشبهه بحلبة المصارعة، حيث يريد كل طرف إثبات صحة وجهة نظره ليفوز، بينما الحقيقة أنه إذا انتهى الصراع بالطلاق فالكل خاسر ولا وجود لمنتصر في هذه المعركة.

إن سبب هذا الصراع يرجع لزرع فكرة في عقول النساء مفادها أن الرجل لابد أن يكون هو البادئ بالاحتواء دائماً، ويتحمل كل أخطاء المرأة بل ويدللها رغم نشوزها أحياناً بدعوى أنه القوام. وهذا فهم خاطئ، فالقوامة هي قوامة إنفاق ورعاية في الأساس، أما الأصل في الاحتواء فهي المرأة لأنها مصدر السكن، والمصدر دائماً هو البادئ. والدليل على أن المرأة هي المصدر يتجلى في أن آدم عليه السلام حين خلقه الله أولاً في الجنة وشعر بالوحدة والاستيحاش النفسي، لم يخلق له ذكراً مثله، بل خلق له من ضلعه الأيسر القريب من القلب حواء، ليكون ذلك دليلاً دامغاً على أن أصل السكن والاحتواء العاطفي هو المرأة منذ بدء الخليقة، وخلقها من الضلع الأقرب للقلب دلالة على أنها منبع الرحمة واللين والرفق.

كذلك يؤكد القرآن الكريم هذا المعنى، ففي الآية السابقة جاءت لفظة "لتسكنوا إليها" بخطاب موجه للأنثى، مما يعني أنها مصدر الهدوء والبادئة به. ولو نظرنا في علم السيكولوجي وعلم التشريح، لوجدنا أن التركيبة النفسية للمرأة هي القادرة على العطاء المعنوي والاحتواء وتفعل ذلك بكل حب، بينما الرجل هو القادر على الكدح والعطاء الجسدي، ثم يعود لمنزله ليستريح ويسكن وتطمئن جوارحه. وهذا لا يمنع أبداً أن يعامل الرجل زوجته بكل رفق ولين وتغافل وتغافر، وأن يكون لها الأمان المادي والمعنوي تأسياً بالنبي الكريم صل الله عليه وسلم. وفي النهاية، لابد أن يرجع كلا الطرفين للفطرة السليمة حتى تستقيم البيوت وتتقلص نسب الطلاق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية