موسم الرماد المهني في فلسفة الاستهلاك النفسي وترميم الذات
كتبت /فاطمة خليل البشارات
مما لا شك فيه أنَّ العمل يمثل ركناً أساسياً في كينونة الإنسان؛ بيد أنَّ هذا الركن قد يتحول إلى مصدر للاستنزاف إذا ما اختلت موازين القوى بين العطاء والراحة، فالاحتراق الوظيفي ليس مجرد إرهاق عابر يزول بنوم ليلة هادئة، بل هو حالة من "التآكل النفسي" الصامت التي تبدأ بشرخ صغير في جدار الشغف، وصولاً إلى انهيار الهيكل المهني للإنسان تماماً. وبناءً على الدراسات السيكولوجية الحديثة، ينهض هذا الاحتراق على ثلاث ركائز مدمرة تبدأ بنضوب الطاقة، حيث يشعر الموظف بأن مخزونه العاطفي والجسدي قد نَفَد تماماً، مروراً بتغرب الذات وهي مرحلة الانفصال الشعوري عن بيئة العمل التي تولد نزعة سلبية تجاه الزملاء والمهام، وصولاً إلى تدني الإنجاز الشخصي حين يبدأ المرء بالتشكيك في جدوى مجهوده، مما يؤدي حتماً إلى تآكل الثقة بالنفس.
ونظراً لأنَّ الإنسان كائن يتأثر ببيئته، فإن مسببات هذا الانطفاء لا تقتصر على الفرد وحده، بل تعود في جوهرها إلى خلل بنيوي في "تصميم" البيئة الوظيفية؛ ويبرز ذلك جلياً في غياب التقدير المعنوي، وتلاشي الحدود الفاصلة بين الحياة المهنية والشخصية، علاوة على ذلك، فإن العمل في بيئة تفتقر إلى العدالة التنظيمية يسرّع من وتيرة الانهيار، حيث يشعر المرء بأنه مجرد "ترس" في آلة صماء لا ترحم.
تأسيساً على ما تقدم، فإنَّ الخروج من نفق الاحتراق يتطلب استراتيجية إعادة بناء شاملة، تبدأ بوضع "سياج" حماية حول الوقت والجهد، وتعلم فن قول "لا" للمهام التي تتجاوز الطاقة الاستيعابية للجهاز العصبي، مع ضرورة إعادة صياغة مفهوم النجاح بحيث لا يكون على حساب الصحة النفسية بل شريكاً لها. وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان هو الثروة الحقيقية التي لا تعوض، والوظيفة التي تطلب من المرء روحه ثمناً لنجاحها هي صفقة خاسرة بالضرورة؛ لذا يظل الحفاظ على "شعلة" الشغف رهناً بترك مساحة كافية من البعد عن النار، لكي تظل مضيئاً دون أن تحترق.

تعليقات
إرسال تعليق