هندسة الأرواح لغز الكيمياء وترياق الاستمرار



كتبت /سماح شحاته

تظل العلاقات الإنسانية هي الوقود المحرك للبقاء والركيزة الأساسية التي يقوم عليها ترابط البشرية، فما بين دوائر عامة وأخرى خاصة، يبرز سؤال فلسفي يفرض نفسه بقوة على وعينا: هل يُعد الانجذاب الأول ضمانة حتمية لطول أمد العلاقة؟ إن البحث في كواليس هذا الانجذاب يكشف لنا أنه ليس مجرد صدفة عابرة، بل هو شرارة معقدة تتضافر فيها العوامل البيولوجية، حيث يفرز الدماغ "الدوبامين" كمكافأة فورية تمنح الشعور بالمتعة، ويسري "الأوكسيتوسين" ليعمق روابط الثقة، جنباً إلى جنب مع عوامل نفسية قوامها الألفة والاهتمامات المشتركة.

هذه الحالة التي نطلق عليها "كيمياء العلاقات" تفسر ذلك الشعور المباغت الذي لا يمكن تفسيره فور رؤية شخص ما لأول مرة؛ فهي نتاج لتلاقي الأرواح التي وصفتها المشكاة النبوية بأنها "جنود مجندة"، حيث ينجذب البشر بدافع التشابه المعرفي، أو القرب، أو حتى تلك الجاذبية الجسدية والاعجاب المتبادل الذي يربط القلوب. إن هذا الانجذاب يتخذ صوراً شتى، فقد يكون عاطفياً يبحث عن تكميل المشاعر، أو ذهنياً يرتكز على تقارب الأفكار والمنطق، ويظهر بوضوح عبر لغة الجسد، والتواصل البصري، والاهتمام المباشر سواء في واقعنا الملموس أو خلف شاشات التواصل الافتراضي.

ومع ذلك، وجب علينا إدراك حقيقة جوهرية؛ وهي أن هذا الانجذاب –على سحره– يظل شعوراً أولياً قد يحمل صبغة "أنانية" في بدايته، ولا تزيد مساهمته في استدامة العلاقات عن نسبة ضئيلة تقدر بـ 11% فالعلاقة لا تكتمل ولا تنضج إلا حين يعلو البناء فوق هذه الكيمياء، ليصل إلى مرحلة التوافق الفكري والاجتماعي وتناغم الظروف الحياتية. إن الكيمياء حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن الفن الحقيقي يكمن في كيفية إدارتها بوعي؛ فلتكن انطلاقة أرواحكم مع من يشبهكم، مع الحرص على تحليل هذه الروابط بعمق للحفاظ عليها، فليس كل من ننجذب إليهم نملك معهم كيمياء البقاء، وهذا ينطبق على نسيج علاقتنا الإنسانية بكل صورها ومستوياتها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني