شطرنج "العديد".. كيف أحرجت "اللعبة الحلوة" هيبة أمريكا أمام إيران؟
كتبت /منى منصور السيد
في عالم السياسة، الصمت قد يكون صاخباً، والصورة قد تزن ألف قذيفة وصاروخ. ما شهده العالم مؤخراً من "تسريب مصور" بثته قناة الجزيرة يوثق آثار الدمار داخل قاعدة "العديد" الأمريكية في قطر، لم يكن مجرد سبقة صحفية أو تغطية لحدث عابر، بل كان بمثابة تحريك ذكي لقطع الشطرنج في توقيت شديد الحساسية.
لطالما اعتُبرت قاعدة العديد الحصن المنيع والقلب النابض للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن حين تخرج الصور لتوثق اختراق هذا الحصن، فإن النقاش ينتقل فوراً من "من سدد الضربة؟" إلى "كيف سُددت الضربة؟". هنا تكمن العبقرية السياسية؛ فالتسريب لم يهدف لإدانة الطرف المهاجم بقدر ما هدف إلى تعرية "هيبة الردع" الأمريكية، في عملية إعادة تشكيل للرواية تحولت فيها القوة العظمى من وضعية الشرطي المحصن إلى وضعية الهدف المنكشف.
التحليل العسكري والسياسي لهذا المشهد يكشف عن رسائل مشفرة تم تمريرها بذكاء، فالصور التي أظهرت الدمار هي إحراج مباشر للتكنولوجيا العسكرية الأمريكية، وتطرح سؤالاً جوهرياً أمام الشارع الدولي: أين كانت منظومات "الباتريوت" و"ثاد"؟ كما أن قطر، كلاعب وسيط بارع، أثبتت امتلاكها القدرة على إدارة المشهد من الخلف عبر "الدبلوماسية الهادئة" التي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم دون الحاجة لبيانات نارية، مما يضع واشنطن في مأزق حقيقي حيث لم يعد التكتم على الخسائر ممكناً.
ما حدث ليس صدفة، بل هو حركة محسوبة بدقة على رقعة الشطرنج الإقليمية، وهي "اللعبة الحلوة" التي تُحترم في عالم السياسة؛ حيث يتم توظيف الإعلام كأداة ضغط استراتيجية لتحقيق مكاسب لا يمكن انتزاعها على طاولة المفاوضات التقليدية. في زمن الضجيج، يبقى اللاعب الذي يتحرك بهدوء وذكاء هو صاحب اليد العليا، وما تسريب "العديد" إلا فصل جديد من فصول القوة الناعمة التي تُثبت أن الكلمة والصورة، إذا وُضعتا في مكانهما الصحيح، قادرتان على إحراج أعتى القوى العظمى.

تعليقات
إرسال تعليق