الحصون غير المرئية: كيف تُهدم العقول لتسقط الأوطان؟





كتب /المهيرى بنعيسى

يبدأ كل شيء بسؤال صغير يطرق أبواب الوعي: متى تسقط المدن حقاً؟ هل تسقط حين تنهار جدرانها تحت وطأة القصف، أم حين يتهاوى اليقين في القلوب؟ لقد رأينا بأعيننا من شيدوا بيوتهم من الركام لأن روحهم ظلت صلبة، ورأينا من انكسرت نفوسهم فماتوا وهم أحياء في بيوت قائمة؛ ذلك لأن الحرب النفسية لا تضع نصب أعينها احتلال جغرافيتك، بل تسعى لاحتلال تضاريس عقلك، فإذا أحكمت قبضتها على وعيك، سقطت أرضك طواعية دون حاجة لرصاصة واحدة.

إن جوهر هذه الحرب المستترة يكمن في دفع الإنسان ليكون هو الجلاد والضحية في آن واحد، أن يهزم نفسه بنفسه عبر زراعة مخاوف لا تنام، وشكوك لا تنتهي، وأخبار متناقضة تذيب الفوارق بين الصدق والكذب، ليصبح اليأس هو الصوت الوحيد الذي يرتدي ثوب "الواقعية". وهنا يتجلى المكر الذي حذر منه القرآن في قوله تعالى: **﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾**، فأخطر الهزائم هي تلك التي لا تشعر ببدئها، حيث تتدلل الأساليب الخفية لتخترق الحصون الذهنية عبر تكرار الخبر حتى يستحيل في وعيك حقيقة مطلقة، فإذا قيل لك مئة مرة إنك فاشل أو إن وطنك ضائع، ستبدأ في التصديق ليس لقوة الحجة، بل لأن التكرار يفتت المقاومة، وهو ما عالجه التوجيه الإلهي بضرورة التبين من نبأ الفاسق لمنع استزراع الأفكار دون وعي.

ولأن هذه الحرب تجيد فن "الكارثية"، فهي تعمد إلى تضخيم الندوب الصغيرة لتجعل منها جدرانًا لا تُخترق، متجاهلة السنن الكونية التي لخصتها آية: **﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾**، حيث الوجود المتزامن للمشكلة وحلها. ثم ينتقل السلاح إلى مرحلة التشظي، بضرب المجتمع في نسيجه عبر تقسيم الشعب إلى طوائف ومذاب وصراعات جيلية وطبقية، عملاً بالقاعدة التي تخشى من التنازع المؤدي للفشل وذهاب "الريح" أي القوة والهيبة. وأخيراً، يأتي السلاح الفتاك: سرقة الأمل، وإقناع الناس بأن لا فائدة ترجى، وهو منزلق اعتبره يعقوب عليه السلام كفراً بروح الله، لأن اليأس في جوهره هو سوء ظن بالخالق قبل أن يكون ضعفاً بشرياً.

واليوم، لا نحتاج لتسمية الخصوم بقدر ما نحتاج لفهم الأدوات؛ من وسائل تواصل اجتماعي أصبحت ساحات للوغى، وحسابات وهمية تصنع ضجيجاً كاذباً، وإعلام موجه ينتقي ما يفزعك ويحجب ما يطمئنك، في تجسيد حي لزمن يُصدق فيه الكاذب ويُخون فيه الأمين. لكننا، ولسنا ضحايا عزل، نملك دروعاً تبدأ من قاعدة "التوقف قبل التصديق"، فلا نترك عواطفنا وقوداً لأخبار تثير الغضب واليأس، بل نسأل دوماً: من المستفيد؟ ونستعيد "الأمن النفسي" باللجوء إلى مرجعية الذكر التي تطمئن بها القلوب، وننبذ العزلة ببحثنا عن الصحبة الصالحة التي تشكل جداراً عازلاً ضد التهييج، مع الحذر الشديد من أن نتحول إلى "جنود مجانيين" ينشرون السموم بحسن نية، متناسين واجب المؤمن في ظن الخير ورفض الإفك.

إن التوكل الحقيقي، كما تجلى في الغار بكلمة "إن الله معنا"، وكما ظهر في شجاعة علي بن أبي طالب أمام ترهيب "عمرو بن ود"، هو السد المنيع أمام هذه الأوهام المسلحة المنبعثة من الشاشات. إنهم لن يضروكم إلا أذىً نفسياً عابراً، لن يكسروا روحاً استندت إلى بارئها، فما دام وعيك محصناً وأدركت قواعد اللعبة، فقد بطل سحرهم. النصر الحقيقي ليس في خريطة ترسمها الحدود، بل في عقل يأبى الارتهان للخوف، ونفس تشرق باليقين مهما اشتدت عتمة الأنباء.


تعليقات