صفيح الترتيبات الكبرى والعالم يُعاد رسمه بالنار والتفاوض
كتبت /متى منصور السيد
يدخل الشرق الأوسط، ومعه النظام الدولي بأكمله، مرحلة مخاض شديدة الحساسية، تتداخل فيها أصوات الانفجارات بهمس التفاهمات خلف الأبواب المغلقة. ولم يعد المشهد الراهن مجرد مناورات دبلوماسية معتادة، بل هو عملية إعادة هيكلة شاملة لموازين القوى وصياغة عالم متعدد الأقطاب يُرسم بالحديد والنار تارة، وبرسائل الردع المتبادل تارة أخرى، حيث تتحرك القوى العظمى والإقليمية لتثبيت أقدامها في مواجهة التغيرات الجيوسياسية العاصفة.
لقد شكلت الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي إلى بكين نقطة تحول جوهرية صدمت دوائر النفوذ التقليدية في واشنطن؛ إذ لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل كرست واقعاً جديداً تتعامل فيه الصين كقوة عظمى ندية للولايات المتحدة لأول مرة في التاريخ الحديث. وجاءت المراسم الصينية الاستثنائية لتعكس انتهاء زمن القطب الواحد والانحناء السياسي، وهو ما أثار عاصفة من الانتقادات داخل الإدارة الأمريكية والصحافة الغربية التي رأت في المشهد انكساراً للهيبة التاريخية لواشنطن، خاصة بعد الموقف الأمريكي الصريح بعدم دعم استقلال تايوان تماشياً مع الخطوط الحمراء لبكين، وإحاطة الاتفاقيات الاقتصادية والمجالس المستحدثة بسرية مطلقة، مما يؤكد أن ملفات الاقتصاد والطاقة أصبحت أسلحة استراتيجية تفوق في خطورتها ترسانات الصواريخ. ولا يمكن فصل هذا التحول عن التسارع الروسي نحو بكين بزيارة مكملة للرئيس بوتين، مما يثبت أن الصين غدت مركز الثقل الدولي الجديد الذي تتجه إليه الأقطاب الستة لإعادة ترتيب الحسابات العالمية، وهو مسار يتقاطع بالضرورة مع بقية القوى المؤثرة كالمرتكز الأوروبي، والهند، ومصر كلاعب إقليمي لا غنى عنه في معادلات الطاقة وتأمين الممرات البحرية.
وعلى وقع هذا الصراع القطبي، يعيش الشرق الأوسط فوق برميل بارود قابل للاشتعال مع مؤشرات عسكرية متسارعة تشير إلى احتمالية تجدد الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. إن رصد الاستعدادات المكثفة على متن حاملات الطائرات، ونشاط طائرات التزود بالوقود في الأجواء الإسرائيلية، واستنفار قاعدة دييجو جارسيا والمراكز المتقدمة، يشي بعمليات وشيكة المحترفين عسكرياً، غير أن حجم وتوقيت هذه التجهيزات يؤكدان أننا لسنا بصدد حرب شاملة أو غزو مفتوح، بل مواجهة تحت سقف "التفاوض بالنيران". والمستهدف هنا هو تحقيق "وجع سياسي سريع" وقصير المدى لاستنزاف المقدرات وإجبار الأطراف على تقديم تنازلات على طاولة التفاوض، وهي سياسة أمريكية معتادة تهدف كذلك إلى فرض فواتير اقتصادية جديدة تحت بند الحماية، في وقت يبرز فيه رفض إقليمي واضح لتحمل تكلفة مغامرات واشنطن وتل أبيب، وتدخل مصري قوي للمطالبة بتعويضات عادلة عن الأضرار البالغة التي لحقت بحركة الملاحة في قناة السويس والاقتصاد القومي جراء هذا الاضطراب المستمر.
وفي غمرة هذا التحشيد، تظل الجبهات الميدانية محكومة بمعادلات الردع المتبادل؛ فرغم الخروقات البرية والغارات المستمرة، جاء تمديد الهدنة في لبنان لمدة خمسة وأربعين يوماً ليعكس رغبة دولية حثيثة في لجم الصراع ومنع انزلاقه إلى فوضى شاملة قد تعصف بأسواق الطاقة العالمية، فيما يعكس ضبط النفس المؤقت في قطاع غزة غياب الرغبة في تصعيد غير محسوب العواقب. وفي المقابل، عكست حادثة الانفجار الضخم في منطقة "بيت شيمش" داخل إسرائيل، والذي أحدث وهجاً يشبه الفطر النووي، حجم الهشاشة والحساسية الأمنية المفرطة في الداخل الإسرائيلي؛ فبرغم التطمينات الرسمية بأن الحدث مجرد تجربة مجدولة للوقود الصلب في منشأة "تومر" الصاروخية، إلا أن غياب التحذير المسبق فجر موجة من الذعر والشكوك الشعبية، كاشفاً عن عمق التوتر الداخلي الذي تعيشه الجبهة العبرية.
إن المحصلة النهائية للقراءة المشهدية تؤكد أن الأمور، رغم دقة عسكريتها، تسير نحو تغليب أدوات الضغط الدولي لكسر العبث الصهيوني ووقف النزاعات المفتوحة التي أنهكت الاقتصاد العالمي. وسيبقى الأمن القومي الإقليمي، وسلامة المواطنين والجاليات في الخليج، في النطاق الآمن بعيداً عن التهويل الإعلامي، بفضل توازنات الردع التي تجعل من أي ضربات قادمة مجرد أدوات تفاوضية "كرتونية" في بدايتها، لتظل الدولة المصرية، بحكم جغرافيتها السياسية وقوتها العسكرية الشاملة، حجر الزاوية الحقيقي والضامن الأكبر للاستقرار وسط هذا البحر المتلاطم من التحولات الدولية الكبرى.

تعليقات
إرسال تعليق