خذلان مُقنَّع بالعطاء: حين يتحوّل القلب إلى ساحة استنزاف



كتبت /ناهدة محمد ذيب عمران

ليس الخذلان حدثًا عابرًا بقدر ما هو انكسار صامت يعيد تشكيل نظرتنا لأنفسنا وللآخرين. أن تعطي قلبك لمن لا يستحق، ليس خطأ عاطفيًا بسيطًا، بل تجربة وجودية تكشف حدود وعينا بذاتنا وقيمة ما نمنح. وفي لحظة الإدراك المتأخرة، لا يكون الألم في الفقد، بل في حقيقة أننا كنا نمنح دون أن نُرى سوء تقدير العطاء.

العطاء في جوهره فعل نبيل، لكنه يصبح عبئًا حين يُمنح بلا تمييز. الخذلان لا يبدأ حين يرحل الآخر، بل حين نُصرّ على تجاهل إشارات الفراغ في حضوره. هناك فرق دقيق بين أن تحب بصدق، وأن تستنزف نفسك لإثبات هذا الحب. الأول يثري الروح، أما الثاني فيحوّلها إلى مساحة استهلاك مستمر.

لماذا نعطي لمن لا يستحق؟

في كثير من الأحيان، لا يكون الخذلان نتيجة سوء نية الآخر فقط، بل انعكاسًا لحاجة داخلية عميقة لدينا: الحاجة إلى القبول، أو الخوف من الفقد، أو وهم القدرة على تغيير الآخر. نُقنع أنفسنا أن المزيد من العطاء سيُصلح الخلل، بينما الحقيقة أن العطاء غير المتوازن لا يُصلح العلاقات بل يفضح هشاشتها.

العطاء لا يكون ضعفًا إلا حين يُقدَّم على حساب الكرامة. حين يصبح الصمت عن الأذى عادة، والتبرير سلوكًا، والتنازل قاعدة، نكون قد عبرنا من مساحة الحب إلى مساحة التلاشي. الوعي هنا لا يعني التوقف عن العطاء، بل إعادة تعريفه: أن تعطي دون أن تفقد نفسك..

رغم قسوته، يحمل الخذلان وظيفة عميقة: إعادة ترتيب الداخل. هو لا يكشف حقيقة الآخر فقط، بل يكشف حدودنا نحن. من خلاله نتعلّم أن القيمة ليست في مقدار ما نعطي، بل في لمن نعطي. وأن القلوب التي لا تُقدّر، لا تتغيّر بكثرة ما يُبذل لها..

أن تهب حياتك لمن لا يعرف معنى العطاء، هو شكل من أشكال الغياب عن الذات. لكن استعادة نفسك بعد الخذلان، هو أعظم أشكال الحضور. فليست الحكمة أن تتوقف عن الحب، بل أن تُحسن اختياره. لأن القلب، مهما اتّسع، لا يجب أن يكون مكانًا مفتوحًا لكل من يمر، بل لمن يعرف كيف يُقيم فيه دون أن يهدمه..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني