أزاميل الفقد بفلسفة النحات أحمد فراج وتمثال حلم الغلابة
كتبت /منى منصور السيد
بين ثنايا الصلصال وصرخات البرونز، تنبثق تجربة النحات المصري الشاب أحمد فراج كصوت جهير يعبر عن جيل بأسره، جيل وجد نفسه عالقاً في المنطقة الرمادية ما بين سقف الطموحات العالي وأرض الواقع الصخرية. إن أعمال فراج لا تقف عند حدود التشكيل الجمالي، بل هي توثيق انفعالي للحظات الضعف والقوة الإنسانية، حيث تتحول الكتلة الصماء إلى لغة بليغة تنطق بما يعجز اللسان عن وصفه من خيبات وآمال.
ويتجلى هذا النضج الفني في أحدث أعماله، ذاك التمثال الذي بات يُعرف بـ "حلم الغلابة" كما يظهر في الصور ، والذي يصور طالباً جامعياً في حالة من الذهول والاحتضار المعنوي. يظهر العمل ملامح شاب انكب لسنوات فوق صفحات الكتب، مستخدماً أدواته البسيطة من مساطر الهندسة وسماعات الطب، باحثاً عن مكان له تحت شمس النجاح. لكن الفنان في هذه القطعة لا يحتفي بالتخرج أو التتويج، بل يصور اللحظة الأكثر قسوة؛ لحظة الاصطدام بالحقيقة المرة التي تفرضها ندرة الفرص وانغلاق الأبواب.
إنه تجسيد حي لذاك الذي سهر وتعب واجتهد ليكون مهندساً أو دكتوراً أو ضابطاً، ليتفاجأ في النهاية بأنه لا توجد فرصة عمل، وكأن لسان حال الواقع يقول له: "ادفن حلمك".
تأتي براعة فراج في هذا العمل من خلال قدرته الفائقة على تصوير "الصرخة الصامتة" التي تملأ ملامح التمثال في الصورة ، صرخة تختزل سنوات السهر والجهد التي تلاشت أمام صخرة الواقع. إن اختيار الفنان لوضعية الجثو فوق الكتب كما في الصورة يرمز إلى حالة من الانكسار والارتباط المصيري بالعلم الذي بات، ويا للمفارقة، وسيلة للإحباط بدلاً من أن يكون جسراً للعبور. إن الأدوات المبعثرة حول العمل من سماعة طبية ومعدات هندسية ليست مجرد إكسسوارات بصرية، بل هي رموز لأحلام مجهضة أصبحت عبئاً على صاحبها بدلاً من أن تكون سلاحاً في يده.
وفي ضوء ما قيل عن العمل، نجد أن أحمد فراج قد نجح في لمس وتر حساس لدى الجمهور، حيث تحول التمثال من مجرد قطعة فنية في مرسم إلى قضية اجتماعية وإنسانية كبرى. لقد استطاع أن يحرر الفن من إطاره النخبوي ليكون مرآة تعكس أوجاع "الغلابة" وطموحاتهم المحطمة. إن هذا العمل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى الاجتهاد في بيئة لا تمنح الفرصة للمجتهدين، ويضع المجتمع أمام مسؤولية الحفاظ على هذه الثروة البشرية قبل أن تتحول صرخاتهم إلى صمت أبدي خلف جدران اليأس.
ختاماً، يظل أحمد فراج نحاتاً لا يشكل الطين فحسب، بل يشكل الوعي، متمسكاً بالأسلوب الأدبي في التعبير البصري، حيث يغنينا المشهد عن ألف عنوان جانبي. إن "حلم الغلابة" سيظل شاهداً على مرحلة فارقة، يذكرنا دائماً بأن الأحلام التي تُدفن اليوم قد تكون هي الوقود الذي يشعل نار التغيير غداً، طالما ظل هناك فن يجرؤ على كشف المستور ونطق المسكوت عنه.




تعليقات
إرسال تعليق