خطايا صامته
كتبت/ ناهدة محمد ذيب عمران
ثمةَ خطايا لا تُحدثُ ضجيجًا،
لا تُراق فيها الدماء،
ولا تُكسر فيها القوانين،
لكنها تهدم الإنسان من الداخل ببطءٍ مرعب…
وعقوق الوالدين أحد أكثر هذه الخطايا صمتًا ووحشية.
فالعاقّ لا يقتل والديه بسكين،
بل يقتلهما بالتفاصيل الصغيرة:
ببرود صوته،
بتأففه،
بتجاهله،
وبذلك الجفاف الذي يتسلل إلى قلبه حتى يصبح وجود أمه أمرًا عاديًا، ودموع أبيه مشهدًا لا يهزه.
كان “يوسف” يظن نفسه رجلًا عصريًا،
يركض خلف نجاحه كما يركض الناس خلف أوهام الخلود.
يرتدي بدلته الأنيقة،
يتحدث عن التطور والحرية وتحقيق الذات،
لكنه لم ينتبه يومًا أنه كلما صعد درجةً في العالم… كان يهبط درجةً في إنسانيته.
في زاوية البيت كانت أمّه تكبر بصمت،
تتآكل ملامحها كما تتآكل شموع المعابد القديمة،
تنتظر صوته كما تنتظر الأرض المطر،
لكنه كان يؤجلها دائمًا:
“أنا مشغول…”
“لاحقًا يا أمي…”
“ليس الآن…”
وما أقسى كلمة “لاحقًا” حين تُقال لقلبٍ لا يملك من العمر إلا القليل.
أما أبوه، فكان يشبه الأشجار العتيقة؛
واقفًا رغم التعب،
صامتًا رغم الكسور،
يخفي فقره ومرضه كي يبدو قويًا أمام أبنائه،
لكن يوسف لم يرَ فيه إلا رجلًا قديمًا لا يفهم هذا العصر.
وهنا تبدأ مأساة العقوق الحقيقية…
فالعاقّ لا يفقد والديه أولًا،
بل يفقد نفسه.
يفقد تلك المنطقة النقية في الروح،
يفقد البركة التي لا تُشترى،
يفقد المعنى الخفي للحياة.
لذلك ترى بعض الناس يملكون كل شيء… لكن أرواحهم موحشة،
بيوتهم واسعة لكنها باردة،
وضحكاتهم عالية لكنها فارغة.
لأن الإنسان حين يكسر قلب أمّه،
فإنه يكسر الجزء الأكثر قداسة فيه دون أن يشعر.
في إحدى الليالي، عاد يوسف متعبًا،
فوجد أمّه نائمة على الكرسي قرب الباب.
كانت تنتظره كعادتها.
اقترب منها،
فاكتشف أنها رحلت بصمت…
كما تعيش الأمهات دائمًا:
يمنحن كل شيء ويرحلن بهدوء.
في تلك اللحظة فقط فهم الحقيقة التي تأخر عنها كثيرًا:
أن الأم لم تكن امرأة عادية في البيت،
بل كانت الحياة نفسها.
وكان الأب ليس مجرد رجلٍ ينفق المال،
بل الجدار الذي منع العالم من السقوط فوق رأسه.
جلس قرب الجثمان يبكي،
لكن البكاء أحيانًا لا يُصلح شيئًا.
فالندم لا يوقظ الموتى،
ولا يعيد كلمةً قاسية إلى الفم،
ولا يمسح دمعةً سقطت في الليل ولم يرها أحد.
إن أعظم مأساة في عقوق الوالدين،
أن الإنسان لا يكتشف فداحة جريمته إلا بعد فوات الأوان.
حين يصبح رقم أمّه في الهاتف بلا إجابة،
وصوت أبيه مجرد ذكرى بعيدة،
والبيت الذي كان ممتلئًا بالحياة… مجرد جدران صامتة.
لهذا لم يكن برّ الوالدين في جوهره واجبًا دينيًا فقط،
بل كان اختبارًا لإنسانية الإنسان.
فكل من عجز عن الرحمة بمن حملوه ضعيفًا،
لن يعرف الرحمة الحقيقية أبدًا.
الوالدان ليسا تفصيلًا عابرًا في الحكاية،
إنهما الأصل الذي إن انكسر…
تشقق كل شيء بعده...

تعليقات
إرسال تعليق