الشباب والأحزاب التمكين الحقيقي



بقلم: أبانوب وحيد

بص حوالين أي قاعة شبابية هتلاقي نفس الصورة. شباب مليان طاقة وأفكار وحماس يغير الدنيا، بس أول ما تيجي سيرة الأحزاب والعمل السياسي المنظم، الحماس ده بيهدى وصوتهم بيوطى. هم موجودين في كل حتة إلا المكان اللي بيتاخد فيه القرار. فالسؤال اللي لازم نسأله بهدوء: هو العيب في الشباب، ولا في السكة اللي المفروض توصلهم؟


زمان كان فيه سلم واضح أي حد عايز يخدم بلده يطلع عليه. كنت بتبدأ من تحت خالص، من مجلس المدينة أو القرية. هناك كنت بتتعلم يعني إيه ميزانية، ويعني إيه مشكلة صرف صحي، ويعني إيه تقعد تسمع شكوى ست كبيرة. كنت بتغلط وتتعلم وتكبر واحدة. ولما السلم ده اختفى، بقينا بنطلب من الشاب إنه ينط مرة واحدة من الأرض لسقف البرلمان. مين يقدر على النطة دي؟ فطبيعي يتراجع ويقول خليني بعيد أحسن.


ومع غياب السلم، جه إحساس تاني أصعب... إحساس إن المكان ده مش بتاعه. لما كل مرة تبص تلاقي نفس الوجوه، ونفس العائلات، ونفس الناس اللي واخدة كل المساحة، هتصدق إن التمكين ده حكاية بتتقال في التلفزيون بس. العمل العام اللي المفروض ساحة مفتوحة للكل، بقى شكله عامل زي نادي خاص بكارنيه معين. واللي معهوش الكارنيه، بيختار يمشي من بدري عشان ميوجعش دماغه.


ضيف على ده إن الشاب بتاع دلوقتي مش بتاع شعارات. هو جيل اتعود يدور على جوجل ويقارن ويسأل "طب وبعدين؟". عايز يعرف الخطة إيه للشغل؟ إيه الحل لمشكلة التعليم؟ إيه رؤيتكم للسنين الجاية؟ لكن لما كل البرامج شبه بعض، والكلام كله جنرال، بيحس إن صوته مش هيفرق فبيختار يسكت. السكوت أهون من اختيار بلا معنى.


وورا كل ده فيه حاجة أعمق، وهي إننا نسينا نربيه على معنى "بلدي". الانتماء مش هتاف في ماتش كورة. الانتماء بيتزرع من وهو صغير لما يحس إن رأيه في الفصل بيفرق، وإن صوته في المدرسة بيسمع. لكن طول ما بنقوله السياسة دي بتاعة الكبار والكلام فيها وجع دماغ، هيكبر وهو شايف العمل العام تهمة مش شرف. هيطلع مش فاهم هو ليه أصلاً ولا إيه اللي ليه واللي عليه.


طب والحل؟ الحل مش هيجي من فوق لتحت. الحل بيبدأ من الديسك الأول في الفصل. المدرسة هي أول جمهورية صغيرة بيعيشها الإنسان. لو اتحاد الطلبة عندنا بقى انتخابات بجد مش تمثيلية، ولو حصة المواطنة بقت مناظرة ومشروع بدل الحفظ، ولو الطالب من وهو صغير مسك ميزانية فصل وحل مشكلة صحابه... ساعتها هيصدق إن ليه كلمة. واللي صدق إن كلمته بتفرق في فصله، هيصدق بعدين إنها تفرق في بلده.


ونفس الكلام رايح للمؤسسات السياسية. الشباب مش مستني حد يمن عليه بمنصب. هو مستني باب مفتوح بجد، مش موارب. مستني شفافية في الاختيار، ومعايير واضحة، ومساحة يغلط ويتعلم فيها. اديله ملف يمسكه من أوله لآخره وحاسبه على نتيجته، ووقتها هتشوف حماسه عامل إزاي. هو مش عايز كرسي، هو عايز أثر.


في الآخر، الشباب معزفش عن بلده. هو بس وقف قدام باب حس إنه مقفول. فبدل ما نلومه على وقفته، خلينا نفكر إزاي نرجع نبني السلم اللي يوصله للباب. سلم بيبدأ من المدرسة، ويعدي على المجالس المحلية، وينتهي عند مكان القرار. التمكين مش كلمة حلوة بنقولها في مؤتمر. التمكين طريق بنمهدّه خطوة خطوة. واليوم اللي الطريق ده هيبقى واضح وسالك، أقسم بالله الشباب مش هتحتاج حد ينادي عليه... هو اللي هيجي يخبط على بابه



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني