"نظم التفاهة العالمية واختزال إنسانية الإنسان"
كتبت د. محمد العبادى
أرض الحكمة ومجموعات العدل القانونية العالمية في هذا الفضاء الفكري الإنساني الرحب، يُطالعنا الدكتور أحمد عثمان برؤية تأملية عميقة، نلتقي فيها بطروحات الدكتور محمد العبادي حول إشكالية "نظم التفاهة العالمية واختزال إنسانية الإنسان" (The\ Global\ Mediocracy\ System\ And\ The\ Human\ Humanity). إنها محاولة جادة لتفكيك إشكالية النخب المتحكمة وأحلام خلودها التي تسعى من خلالها لتجاوز فنائها البيولوجي والسياسي، واحتضان حلم الحياة الأبدية عبر تقنيات ما بعد الإنسانية، حتى لو كانت في توابيت الخلود الوهمية، ومحاولتها الاستحواذ على الصحة العامة على حساب فقراء الأرض، ليظل السؤال الإنساني الحارق قائماً: متى ستتوب تلك النخب وتعود إلى جذورها الطبيعية للعيش مع الإنسان الآخر؟
إن ما يشهده العالم اليوم يمثل اختزالاً وتشويهاً وتجريداً صارخاً لإنسانية الإنسان وطبيعته ذات الأبعاد المتعددة؛ الروحية، والرمزية، والقيمية، والأخلاقية، والثقافية، والعقلية. يجري هذا التشويه عبر حصر دور الإنسان في بُعد أحادي ضيق، ليتحول إلى مجرد رقم، أو مجموعة أرقام إحصائية، أو شيء، بل وأحياناً يُنظر إليه كعبء ديمغرافي يهدد بقاء الآخر، مما يسهم في بلورة عالم "الإنسان المتشيّئ" (Objectified) باعتبار أن وجود الآخر وعائد كليته يصبح تابعاً للآخر المشيِّئ. يأتي ذلك بعد اختزال الآخرين كليةً في هوياتهم وقيمهم، واستلابهم وتدجينهم، وحصرهم مادياً وغرائزياً كمجرد كائنات بيولوجية تحركها نزعات الجسد والشهوات بعيداً عن سموهما الروحي.
هذا المسار يقودنا حتماً إلى تبلور مرحلة الاختزال الاقتصادي والاستهلاكي، حيث يُجبر البشر على أن يكونوا مجرد تروس في آلات الإنتاج. إن هذا التشيؤ المبرمج للغالبية البشرية ينزع عنها الصفات الإنسانية النبيلة، ليتجلى إنسانها كأداة جامدة أو ممتلكات تابعة للآخرين المبرمجين لتحقيق مصالحهم الخاصة، عبر نظم طُبِعت بطابع التفاهة، والرداءة، والسطحية، واللامعنى، واللامعقول، كمعيار مادي اعتمدته شرائح ضئيلة سيطرت بأموالها وأسواقها على الواقع البشري، حتى غدت هذه النظم الاستثنائية هي الأساس الكوني للمجتمع البشري. لقد ارتقى التافهون إلى مواقع القمة بفضل سيطرتهم المادية وعناصر القوة والرعب، فأخذوا يبرمجون شعوبهم وفق ما يشتهون، مستعينين بتغلغل السطحية والتفاهة في جميع جوانب الحياة اليومية، وهو تماماً ما نبّه إليه الفيلسوف الكندي آلان دونو (Alain\ Deneault) في مؤلفه الشهير "نظام التفاهة"، موضحاً أن المعيار الأول للنجاح لديهم هو المال، ومؤكداً أن هذا المال قد شيد مصانع للتفاهات الشاذة والمرعبة، مما جعل الأغلبية البشرية تنخرط في سباقات ماراثونية لا نهاية لها.
هذا المشهد العبثي يعيد إلى الأذهان رؤية فيلسوف أدب الواقعية القاسية والطبقات المهمشة، هوراس ماكوي (Horace\ McCoy)، في مؤلفه البديع "إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟" (They\ Shoot\ Horses,\ Don't\ They?)، حيث يركض المجتمع بأسره في سباقات ماراثونية محمومة لا تنتهي إلا بتأمين الحد الأدنى من العيش، وسط جوائز شكلية وهمية، وفي ظل حتمية الموت التي تكتنف هذه المسابقات التي لم تُعدّ في الأصل إلا لتسلية أصحاب المال والسلطة.
ومن هذا المنطلق، تبرز نقاط جوهرية طُرِحت وما زالت تُطرح بشكل غير مباشر، وأحياناً بداعي الحرص على مصلحة البشرية، ولعل أولى هذه القضايا تتجلى في مسألة اللاتناسب بين الواقع الاقتصادي والتعداد السكاني العالمي؛ فرغم اللاوجود الرسمي لأي توجه يهدف إلى تقليص سكان الأرض، ورغم عقد المؤتمرات الدولية المتتالية المعنية بالنمو السكاني وتحقيق التنمية المستدامة، إلا أنه بدأ يلوح في الأفق خطاب جديد صادر عن النخب العالمية المهيمنة مالياً وعسكرياً، يطالب بحل أزمات زيادة عدد سكان الأرض، ويسوّق لمصطلحات ومفاهيم مستحدثة من قبيل "التوازن السكاني"، و"تقليص أعداد السكان" بذريعة اللاتناسب مع الواقع الاقتصادي، و"تحديد النسل"، ووسائل هذا التحديد، ووسم البعض بعبارة "الآكلون عديمو الفائدة".
وفي المقابل، تتجلى قضية القوى المرئية واللامرئية التي تدير شؤون العالم، وهي الإشكالية التي تتبعها عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (Edgar\ Morin) في مسيرته الممتدة بين عامي 1926 و2026، من خلال رؤاه ونظرياته التأسيسية للفكر المركب، والتي تدعو بوضوح لتجاوز التخصصات الضيقة لبناء رؤية شمولية تربط بين الأبعاد البيولوجية، والنفسية، والاجتماعية، والثقافية. لقد ركز موران على ما يجب أن يتعلمه الإنسان لمواجهة تعقيدات العالم، عبر فهم حالة البشرية وكوكب الأرض، ومجابهة التحديات البيئية واليقينيات الزائفة بالتضامن البشري، وتظل مقولته الشهيرة نبراساً في هذا السياق حين قال إن علينا أن نتعلم الإبحار في محيط من اللايقين عبر أرخبيلات من اليقين. ومثلما يرى الفيلسوف إيمانويل كانط والأمريكي ندي بانكروفت، فإن التشيؤ والإضطهاد والعنف الذي تمارسه بعض الفئات يخفض من قيمة الإنسان الجوهرية، رغم أن السمة المميزة والأسمى للبشر تظل هي العقلانية.
ويتصل هذا الطرح اتصالاً وثيقاً بأجندة المليار الذهبي وإعادة رسم خرائط البشرية (The\ Golden\ Billion\ Agenda\ Redrawing\ Of\ Humanity\ Maps)، حيث يشير مصطلح المليار الذهبي كفهوم سياسي واقتصادي إلى نخبة سكانية عالمية تقدر بمليار شخص كحد أقصى، تتواجد أساساً في دول أمريكا الشمالية، وأوروبا الغربية، واليابان، وبعض المناطق التي قد يُتفق عليها مستقبلاً، حيث ينعم هذا المليار بمستويات معيشية مرفهة ومرتفعة للغاية من خلال الاستغلال الجائر وغير الطبيعي لموارد كوكب الأرض، في وقت تعيش فيه الأغلبية المتبقية من سكان العالم في أتون الفقر، لكون موارد الأرض لا يمكنها تلبية كل الاحتياجات البشرية العالمية وفق هذا النمط الاستهلاكي، مما يدفع دول الثراء العالمي ونخبها إلى استغلال موارد العالم الآخر، المعروف بالعالم الثالث، لصالح تلك الأجندة، مع دعوة شعوب العالم للإنخراط في السوق الحر كبوابة وهمية لاحتمالية رفع مستوى الحياة.
وليس هذا الفكر وليد اليوم؛ ففي قمة لوغانو بسويسرا عام 1996 نوقشت بوضوح فكرة تراجع وتقلص سكان العالم، حيث كان من المتوقع وصول التعداد السكاني بحلول عام 2100 إلى عشرة مليارات نسمة، في حين بقي العدد آنذاك في حدود السبعة مليارات. وفي هذا الإطار الفكري، أُعتبر عصر الإصابة بالجائحات هو العصر الفعلي لتناقص السكان وفق تفسيرات بعض العلماء، وذلك منذ تفشي مرض الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر الذي أدى لتراجع سكان العالم إلى الربع. والطاعون مرض معدٍ قاتل تسببه بكتيريا حيوانية المنشأ تُدعى "اليرسينية الطاعونية" (Yersinia\ Pestis) – وتسببها إنتروبكتر يسايرسينيه، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى عالم البكتيريا الفرنسي السويسري ألكسندر يرسن – وهي تتواجد لدى صغار الثدييات وتنتشر بين القوارض والبراغيث. وقد تسببت جوائح الطاعون الأسود في تقليص ربع تعداد السكان بالعالم في قارات أفريقيا (وتحديداً في الكونغو الديمقراطية، ومدغشقر، وبيرو)، وفي آسيا وأوروبا، وحصدت أرواح أكثر من ربع سكان هذه القارات منذ جائحة طاعون جستنيان الأولى (541 - 542) التي بدأت في غرب أوروبا وأدت لوفاة 40\% من سكان القسطنطينية، تلتها الجائحة الثانية (1331 - 1855) التي انتشرت في آسيا الوسطى ومناطق البحر المتوسط وأوروبا، ثم الجائحة الثالثة (1855 - 1960).
وتوالت الجوائح على البشرية حاصدة عشرات ومئات الألوف، بل الملايين من البشر؛ ومنها على سبيل المثال لا الحصر جائحة الإنفلونزا (Influenza\ pandemic) أو (Flu\ pandemic)، والتي حصدت ما بين 40 إلى 50 مليون ضحية من أصل 500 مليون إصابة أصيب بها المجتمع البشري وفق التقارير الصحية العالمية، ولا سيما منذ تفشي الإنفلونزا الإسبانية (1918 - 1919) التي تسببت بوفاة ما بين 50 إلى 100 مليون نسمة. وتعددت بعدها مناطق الإصابات والتسويات، مثل وباء الإنفلونزا الآسيوية عام 1957 وإنفلونزا هونغ كونغ عام 1968، واللتين حصدتا معاً ما يقارب مليوني مصاب، وصولاً إلى إنفلونزا الخنازير عام 2009 التي أودت بحياة أكثر من 600 ألف مصاب بحسب تقارير المنظمات الصحية الأممية.
وينضم إلى هذه السلسلة الطاعون (Plague) أو وباء الطاعون (Pestilence)، ذلك المرض المعدي القاتل المنتقل للبشر عبر اللدغ أو الاتصال المباشر، والذي أدى انتشاره الأسود والدولي في القرن الرابع عشر لإبادة نصف سكان آسيا وأوروبا خلال خمسة أعوام، حيث تشير تقارير المنظمات الدولية إلى تسببه في وفاة ما بين 50 إلى 200 مليون بشرى. كما يبرز فيروس إيبولا (Ebola\ Virus) باعتباره مرضاً فيروسياً وخيماً تصل معدلات الوفيات فيه إلى 90\% في حال الإصابة وعدم المعالجة السريعة، وتسببه فصيلة "الأورثايبولا" وينتشر في غرب أفريقيا والكونغو، حيث تسبب منذ اكتشافه عام 1976 بوفاة 12,266 شخصاً، وتسببت موجته الأخيرة بوفاة أكثر من 115 إنساناً في الكونغو الديمقراطية. ومن الفيروسات الخطيرة الأخرى يبرز فيروس هانتا (Hanta\ Virus) وفيروس ماربورغ اللذان تصل معدلات الوفاة فيهما إلى 99\% إذا لم تعالج الإصابة سريعاً وسط رعاية صحية محدودة، بالإضافة إلى فيروس داء الكلب أو السعار الذي يتطلب معالجة فورية، علماً بأن غالبية هذه الفيروسات تنتقل عبر الخفاش والقوارض. يضاف إلى ذلك فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب، الإيدز (Aids)، الذي يهاجم خلايا الجهاز المناعي ويدمرها، وينتقل عبر الاتصال الجنسي دون وجود شفاء تام حتى الآن، حيث تقتصر العلاجات على الأدوية المضادة للفيروسات. وصولاً إلى جائحة كوفيد 19 (Covid-19) المعروف بالمرض التنفسي الحاد المرتبط بفيروس كورونا، والذي انطلق من مدينة ووهان بالصين، حيث أبلغت منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2019 عن رصد 668 مليون إصابة حتى 22 يناير 2023، وبلغت الوفيات حينها 6.73 مليون وفاة في 188 دولة، مع الإشارة هنا إلى أن مرض الجدري (Smallpox) هو المرض الوحيد الذي تم استئصاله كلياً عام 1980 وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية.
وإلى جانب الأوبئة، يتجلى الجحيم وتبرز مآسي الحروب بين الدول والصراعات الأهلية (The\ Horrors\ And\ Tragedies\ Of\ Interstate\ Warfare\ And\ Enduring\ Civil\ Strife)، حيث تُعد الحروب تاريخياً من أبرز مسببات الوفيات الجماعية والتدمير الشامل أو الجزئي للبنى التحتية، والنزوح القسري، والأزمات الاقتصادية، ناهيك عن الاضطرابات النفسية للمتصارعين. وتشير التصنيفات التاريخية العالمية للحروب، وفق إحصائيات مكتب تعداد الولايات المتحدة الأمريكية الصادرة في 6 مارس 2013، إلى وقوع أكثر من 130 حرباً خارجية وأهلية صُنفت حسب تأثيرها التاريخي والجيوسياسي؛ فعلى سبيل المثال، بلغ تعداد قتلى الحرب بين غوئي والسومريين عام 2200 قبل الميلاد عشرات الألوف، في حين وصل تعداد قتلى الغزوات المغولية في القرن الثالث عشر مابين 40 إلى 45 مليوناً. وتسبب تمرد آن لوشان في الصين (755 - 763) في وفاة 36 مليوناً، وتمرد تايبينغ (1855 - 1864) في وفاة ما بين 20 إلى 30 مليوناً. وفي الحرب العالمية الأولى عام 1914 لقي أكثر من 21 مليون شخص حتفهم وأصيب 8.5 مليون، بينما قتلت الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) أكثر من 100 مليون إنسان من 30 دولة، وكان غالبية الضحايا في كلتا الحربين من المدنيين والنساء والأطفال وكبار السن. ويُذكر في هذا السياق أن قنبلتي هيروشيما وناغازاكي النوويتين اللتين ألقتهما الولايات المتحدة الأمريكية في أغسطس 1945 أودتا بحياة ما بين 129 إلى 226 ألف نسمة، وبلغ نصف قطر دائرة دمارها الكامل 1.6 كم، ووصلت المساحة المنكوبة لأكثر من 11 كم مربع. وفي تقرير للباحث التاريخي فران نافارو نُشر في مجلة "موي هيستوريا" (Muy\ Historia)، أشار إلى وقوع 12 ألف معركة عبر التاريخ، مؤكداً أن نزاعات القرن العشرين كانت الأكثر دموية، بينما يذكر المؤرخ جيسوس هيرنانديز أن متوسط عمر الجندي الروسي نتيجة تلك الحروب بات لا يتعدى 24 ساعة، وفي ذات الوقت يشير مرصد "عالمنا في بيانات" إلى وفاة عشرات الألوف عالمياً في السنوات الأخيرة عدا حالات الأوبئة والكوارث، وتؤكد دراسة إعلان جنيف أن متوسط الوفيات المرتبطة بالحروب يصل إلى 250 ألف حالة سنوياً، أي ما يقارب 1000 حالة يومياً.
وتتكامل هذه المآسي مع الكوارث الطبيعية العالمية والأوبئة (Global\ Natural\ Disasters\ And\ Epidemics) كالزلازل، والفيضانات، والعواصف، والبراكين، والحرارة الشديدة، والتي تتسبب سنوياً بوفاة ما بين 64 إلى 86 ألف شخص وفق الإحصاءات العالمية؛ ومنها زلزال هايتي عام 2010 الذي أودى بحياة 316 ألف إنسان، وزلزال تانغشان في الصين عام 1876 الذي أودى بحياة عشرات الألوف، وفيضان عام 1931 في الصين الذي راح ضحيته الملايين، بجانب الأوبئة كجائحة كوفيد 19 التي أدت لوفاة 6.5 مليون، وصولاً إلى أحدث الهزات مثل زلزال الفلبين في جنوب ميندناو وزلزال تركيا وسوريا.
وفي سياق متصل، تبرز مشاريع هندسة وتعديل الطقس في العالم بين الاستخدام في الأغراض المدنية أو العسكرية (Global\ Weather\ Modification\ Engineering\ Projects:\ Between\ Civil\ And\ Military\ Applications)، حيث تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين أضخم البرامج العالمية في هذا المجال باستخدام تقنية استمطار السحب (Cloud\ Seeding) عبر إطلاق يوديد الفضة والمواد الكيميائية بواسطة الطائرات أو المولدات الأرضية لتحفيز الهطول أو تبديد السحب. وكان أول ظهور لهذا الاستخدام في الولايات المتحدة عام 1997 من خلال مصطلح "كيميتريل" (Chemtrail)، وظهر المصطلح رسمياً في مشروع قانون عام 2001 قدمه السياسي الأمريكي دنيس كوستينيتش للكونغرس، وقوبل المشروع بالنقض. وفي مقابلة أجراها معه بوب فيتراكس بجريدة كولومبوس، قال كوستينيتش إن سبب الرفض يعود لوجود تحفظ كامل من قبل وزارة الدفاع بدعوى مشروع "رؤية 2020" (Vision\ 2020). وتجدر الإشارة هنا إلى استخدام الولايات المتحدة لتجارب الكيميتريل في عمليات عسكرية سرية خلال حربها في فيتنام (1967 - 1972) عبر استمطار السحب فوق مسار هوشي منه لقطع الإمدادات العسكرية لفيتنام الجنوبية بتحويل الطرق إلى مستنقعات مائية غير صالحة للمرور. وفي عام 1993، أطلقت أمريكا برنامج "هارب" (HAARP)، وهو برنامج الشفق القطبي نشط عالي التردد من خلال منشأة بحثية في ألاسكا تديرها جامعة ألاسكا لأغراض الاتصالات اللاسلكية والمراقبة عن طريق تحليل الغلاف الأيوني "الأيونوسفير"، وهي فكرة مستوحاة من أبحاث الفيزيائي نيكولاس تسلا (1856 - 1947)، وقد أثيرت شائعات كثيرة حول المشروع باعتباره جزءاً من أسلحة إلكترونية سرية، وهو ما أدى في النهاية لتسليم المنشأة لجامعة ألاسكا.
هذا المشهد يقودنا إلى رصد عودة النخب العالمية لمقترح "المليار الذهبي" ولفكرة "الآكلون عديمو الفائدة" ولمقترحات "علم تحسين النسل وتقليصه" (The\ Return\ Of\ Global\ Elites\ To\ The\ Proposal\ "Golden\ Billion"\ And\ The\ Idea\ Of\ "Useless\ Eaters"\ And\ To\ Proposals\ For\ "Eugenics"\ And\ Population\ Reduction). ولقد استخدم مصطلح "الآكلون عديمو الفائدة" (Useless\ Eaters) لأول مرة عام 1939 في ألمانيا ضمن برنامج "القتل الرحيم غير الطوعي" (Involuntary\ Euthanasia)، واستخدمت عبارة "غير الطوعي" لتمييزه عن حالات القتل الرحيم الطبي المقترن بموافقة الشخص، حيث وضع البرنامج عدة أسباب للإنهاء أهمها اللافاعلية واللافائدة التنموية من الأشخاص الذين يقتصر دورهم على الأكل فقط، وبلغت حالات هذا البرنامج في ألمانيا، والنمسا، وبولندا، ومورافيا، والتشيك خلال الفترة من 1939 حتى نهاية عام 1945 ما بين 275 إلى 300 ألف إنسان. وتُعد أولى النظريات الداعية لتقليص عدد السكان هي "نظرية مالتوس" (Malthusian\ Theory) للاقتصادي والسياسي الإنجليزي توماس روبرت مالتوس (Thomas\ R.\ Malthus\ 1766 - 1834)، كفكرة اقتصادية وديموغرافية طرحها في مؤلفه "مقال حول مبدأ السكان" (An\ Essay\ on\ the\ Principle\ of\ Population\ 1798)، وتقوم فكرته على أن عدد السكان ينمو بسرعة هندسية أكبر بكثير من نمو الموارد الغذائية التي تنمو بسرعة حسابية، مما يؤدي حتماً إلى الحروب والمجاعات والأمراض لإعادة التوازن.
وفي عام 1883، ظهر مصطلح "علم تحسين النسل" أو "اليوجينيا" (Eugenics) كحركة هادفة لزيادة الصفات المرغوبة وتقليص الصفات غير المرغوبة في البشر، بتطبيق أساليب ومفاهيم الانتقاء عبر تحسين الخصائص الوراثية للحد من ظواهر الانحطاط البشري. والمصطلح مشتق من اليونانية ويعني "النسل الجيد" أو "الأصول الجيدة"، واستخدمه عالم الطبيعة الإنجليزي السير فرانسيس جالتون (Francis\ Galton\ 1822 - 1911)، وأتى هذا الطرح بعد فكرة كانت سائدة تقوم على أن الوراثة البشرية ثابتة وغير قابلة للتحول، ليجد علم تحسين النسل تفسيره المتطرف في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في ألمانيا ولدى عدد من الباحثين الألمان والأمريكيين، ومنهم الأمريكي تشارلز دافنبرت (Charles\ B.\ Davenport) الذي دعا بقوة لتطوير هذا العلم وتطبيق آلياته، كما استخدم الاقتصادي الألماني ألفيرد بلوتز مفهوم "الصحة العنصرية" (Rassenhygiene). وفي ألمانيا ظهر تبعاً لذلك "قانون نورمبرغ لحماية الدم والشرف الألماني" كخارطة مبسطة تحرم الزواج بين الآريين وغير الآريين، وبحلول عام 1933 باتت نظريات الصحة العنصرية جزءاً لا يتجزأ من العقلية المهنية والعامة، ولتتبنى أيديولوجية معاداة السامية واستهداف المرضى بالوراثة من خلال قانون عام 1933 الذي منع نسل المصابين بأمراض وراثية عملاً بقانون الصحة الوراثية، وجرى بناءً عليه تعقيم أكثر من 400 ألف شخص.
وتنبثق من ذات السياق فكرة تحديد وضبط النسل، وهي فكرة ذات جذور تاريخية قديمة؛ إذ تشير بردية إيبرس المصرية (1550 قبل الميلاد) وبردية كانون (2850 قبل الميلاد) إلى وصفات خاصة مسجلة لتحديد النسل باستخدام العسل وأوراق الطلح والكتان لوضعها في المهبل كحائل يمنع دخول الحيوانات المنوية. أما أول عيادة رسمية لتحديد النسل في العصر الحديث فكانت في الولايات المتحدة عام 1916 على يد مارغريت سانغر، والتي ألقي القبض عليها وسجنت بسبب ذلك، وتلتها عيادة ماري ستوبس عام 1921 في المملكة المتحدة. وفي الخمسينيات، قام كل من جريجوري بينكوس وجون روك بمساعدة جمعية تنظيم الأسرة الأمريكية بتطوير أول عقار لتحديد النسل عبر الفم، لينتشر بعدها الإجهاض الطبي كبديل للإجهاض الجراحي، وتواصل الأمم المتحدة اليوم المساعدة في تقديم وسائل منع الحمل رغم الاختلاف المعتقدي العالمي والديني المستمر حول القضية.
أما على صعيد الرموز المادية لهذه الأفكار، فيبرز نصب جورجيا (Georgia\ Guidestones)، وهو نصب غرانيتي أنشئ وظهر للعلن عام 1980 بمقاطعة إلبرت في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وتم الاتفاق على إنشائه من قِبل شخص حمل اسماً مستعاراً هو "آر. سي. كريستيان" (Robert\ Christian) تعاقد مع شركة برتون غرانيت للتشطيب عام 1979 حاملاً معه كتيباً بالمطالب البنائية. النصب مصنوع من الغرانيت الخالص بارتفاع يصل إلى 5.87 أمتار ووزن يبلغ 107,840 كجم، ودُوّنت عليه الوصايا بثماني لغات هي: العبرية، الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، العربية، الهندية، الصينية، والروسية. وتظل الوصايا الثلاث الأولى هي الأكثر صلة بموضوع دراستنا وفق ترتيبها: الأولى تطالب بإبقاء عدد الجنس البشري أقل من 500 مليون في توازن دائم مع الطبيعة، والثانية تدعو لتوجيه التناسل البشري مع تحسين اللياقة البدنية والتنوع، والثالثة تحث على تحديد لغة جديدة معاصرة توحد الجنس البشري. وتشير بعض الكتابات لوجود كبسولة زمنية تحت الألواح، غير أنه لم يثبت وجودها أو يتم تدقيق ما دون فيها بشكل حاسم، وقد تعرض النصب للتشويه بالطلاء في مارس 1980، وفي 6 يوليو 2022 تعرض أحد ألواحه للتفجير وتمت تسوية النصب بالأرض لاعتبارات تتعلق بالسلامة العامة، مع ربط دائم للموضوع في نظريات المؤامرة بعبادات سرية.
وفي الإطار السياسي الموثق، تبرز مذكرة الأمن القومي الأمريكي (NSSM200)؛ فبتاريخ 10 ديسمبر 1974 أصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي هذه المذكرة تحت عنوان "الأمن القومي الأمريكي والمصالح الخارجية"، ونُشرت بعد وقت قصير من قمة بوخارست، وجاءت نتاج تعاون مكثف بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية (USAID)، ووزارات الخارجية والدفاع والزراعة الوطنية، واعُتمدت من الرئيس الأمريكي الأسبق جيرالد فورد في نوفمبر 1975 وبقيت سرية حتى رُفعت عنها السرية ونُقلت للأرشيف عام 1990. تتعلق الوثيقة في جانب منها باستعادة القوة الأمريكية عبر تعزيز الاقتصاد وإعادة تشكيل دول الحلفاء بتحميلهم عبئاً أكبر في الضمانات الأمنية، لكنها تركز بشكل أساسي على تأثير النمو السكاني على المصالح الأمنية والخارجية للولايات المتحدة، وتربط بوضوح المساعدات الخارجية بجهود تحديد النسل في الدول النامية، محددة ثلاث عشرة دولة بالخصوص هي: الهند، باكستان، نيجيريا، إندونيسيا، البرازيل، بنغلاديش، إثيوبيا، الفلبين، المكسيك، كولومبيا، تركيا، مصر، وتايلاند. وفي ذات الوقت، يُنظر لمفهوم المليار الذهبي في روسيا ككيان لامرئي يدير العالم مالياً وسياسياً، واشتهر المصطلح هناك في أوائل التسعينيات عبر الباحث الروسي أناتولي تشيكونوف (1933 - 1991) في مؤلفه "مؤامرة الحكومة العالمية: روسيا والمليار الذهبي"، وهو ذات المصطلح الذي استخدمه الرئيس فلاديمير بوتين في نقده لتحكم المليار الذهبي بسكان العالم، علماً بأن الإشكالية الروسية لا تخرج عن نخب المليار الذهبي حيث تتأثر السياسة الروسية برؤى منظرها الفيلسوف ألكسندر دوغين وعقيدته الجيوسياسية الروسية التوسعية.
وتشير العديد من القراءات والتحليلات المحدثة إلى أن جداول أعمال النخب العالمية تقوم على تدمير وإنهاء وجود من أسموهم بالآكلين عديمي الفائدة من خلال المجاعات والأمراض والحروب البيولوجية كالإيدز والإنفلونزا والكوفيد والكوليرا، حيث يؤكد باحثون أن هذه الفيروسات ولقاحاتها مصممة لتقليص تعداد السكان لصالح المليار الذهبي، وأشار آخرون كتريسي سمارت إلى سعي النخب لتقليص التعداد السكاني العام إلى أربعة مليارات نسمة من خلال اللقاحات، والمضافات الغذائية مثل "الأسبارتام"، المواد الكيميائية، الكائنات المعدلة وراثياً، المياه الملوثة بالفلورايد، الأدوية، الهواء السام الملوث عبر "الكيميتريل"، المبيدات الحشرية، والإشعاعات، بهدف إخلاء أربعة مليارات كحد أدنى من المجتمعات البشرية، باستغلال تكنولوجيا النانو لخلق فيروسات أخرى تُحدث جائحات أشد وباءً. وفي هذا الصدد، نستحضر بلا تعقيب رأي عالم الفيروسات الفرنسي الراحل الحائز على جائزة نوبل لاكتشافه فيروس الإيدز، لوك مونتانييه (Luc\ Montagnier)، الذي انتقد علانية التلقيح الجماعي لكوفيد 19 مؤكداً أن صنع اللقاح هو الذي يخلق المتحورات، وهي الرؤية التي أكدتها مؤسسة (RAIR) الأمريكية في مقال حواري معه نُشر تحت عنوان (Nobel\ Prize\ Winner\ Reveals\ -\ Covid\ Vaccine\ Is\ Creating\ ...)، حيث كان أبرز ما قاله إن فيروس كوفيد 19 يتمتع بقدرة كبيرة على التحور الجيني (RNA) مثل الإيدز، وأن التلقيح العام خطأ علمي كبير وغلطة طبية غير مقبولة لأن التلقيح ضد كورونا هو الذي يخلق المتحورات نظراً لكون اللقاح ينتج أجساماً مضادة تدفع الفيروس إما للموت أو لإيجاد حل ومقاومة عبر التحور.
وبلا تعقيب، نكتفي في ختام هذا العرض بإيراد تعقيدات وأنظمة الذكاء الاصطناعي حول لقاحات كوفيد 19، والتي تلخصت في الرصد العلمي الموثق للآثار الجانبية التالية: أولاً، التهاب عضلة القلب الذي رصدته دراسات متخصصة صادرة عن هيئة الغذاء والدواء الأمريكية. ثانياً، متلازمة نقص الصفائح المناعي التي وثقتها لجان علمية وحددت حدوث جلطات دموية نادرة مصحوبة بانخفاض في الصفائح الدموية. ثالثاً، متلازمة ما بعد التطعيم حيث أشارت بعض الأبحاث لمجموعة من الأعراض طويلة الأمد تشمل التعب المزمن، التشوش الذهني، الدوخة، وطنين الأذن. رداً وأخيراً، ردود فعل حساسية كغيره من اللقاحات الطبية المستحدثة.

تعليقات
إرسال تعليق