في وصفِ حالي هذه الأيامِ
بقلم: إلاء رمضان
في وصفِ حالي هذه الأيامِ أقولُ أني في صحراءٍ ناضبة، أستيقظُ كُلَّ يومٍ فأجدُ قلبي في فضاءٍ يصرخُ فلا يجدُ مَن يداوي جرحه، يكسره الكلَّ فلا يجدُ شخصًا يجبره، ومَن سيجبره! وفقيدتي هي التي كانت تحميه من الأذى، كانت تعلمُ أن قلبي قلبَ طفلة يزعجه أقل الأذى فكانت تحرصُ كُلَّ الحرصِ أن تجعله سعيدًا وبأفعالها كانت تواريه من الأحزانِ والصدمات.
إلى الآن أبكي بحورًا لفقدِها، إلى الآن قلبي لم يجد مَن يُعَمِّرُ صحراءه الجرداء التي تخلو من أناسٍ وقتَ الشدة، سندٍ وقتَ الأزمات، رفقاءٍ في هذا الفضاءِ المُوحِشِ المخيف.
إلى الآن صحرائي جافةٌ خاليةٌ من الأمان، أصبح محكومٌ عَلَيَّ بالسجنِ فيها منذ رحيلها رغم أنها صحراء والسحراء واسعة، لكني سجينةَ الوجع، سجينةَ الوحدةِ وقلبي سجينَ الألمِ من بعدها، سجينَ الحنين، سجينًا بمفرده في الصحراء، لا هو ولا حتى أنا مسموحٌ لنا بالمغادرة إلى أن ترجعَ النفسُ إلى رَبِّها راضيةً مرضية.
قالوا أن الوقتَ طبيبٌ ينسينا مَن فقدناهم، فقلتُ هذه جملةٌ منزوعٌ منها الإحساس، كيف أنسى روحي! هي أكثر مَن شاركني تفاصيلَ عمري، هي التي لم تحتمل بكائي حينما كنتُ أبكي أمامَها وكانت تحتضنني بيدٍ وتمسحُ دموعي بالأخرى، كانت دومًا بشوشةً متفائلة، بمجرد أن تخبرني أن كُلَّ شيءٍ سيكونُ على ما يُرام، يسببُ اللهُ الأسبابَ ولا يُخَيِّبُ ظَنَّها ويقينها ويتبدلُ الحالُ إلى أحسنه، كانت عيني التي أُبصِرُ بها حقيقةَ الأشياءِ من حولي، ومرآتي التي تُريني كُلَّ جميلٍ أتميزُ به.
كيف أنسى روحي! مَن سارعت بحملِ هَمِّي قبل أن يأتيني، مَن سَكَبَتْ في قلبي نهرًا من الراحةِ بَدَّدَ كُلَّ أَلَمٍ تركوه، الآنَ نَضَبَ نهرُ الراحةَ بعدما رَحَلَتْ، والباقي هو كُلَّ الألمِ الذي تركوه.
كانت بارعةً في حملِ جبالِ أحزاني من على عاتقيّ، لم تفشل أبدًا في انتشالِ وجعي ورسمِ الابتسامةِ على محياي والسعادةِ في قلبي، كانت رفيقةُ كلِ خُطوةٍ أخطوها، والآن أنا تائهةٌ قد ضللتُ الطريق.
كانت أقربَ الأقرباءِ وأعزَّ الأصدقاءِ وأوفى الأوفياء، أُفضي إليها كُلَّ ما يدورُ برأسي من أفكارٍ تزعجني فتدلي دلوها من الحلولِ الهَيِّنَةِ التي تبعثُ في نفسي الأملَ وفي قلبي الأمان، كانت تفهمني قبلَ أن أنطقَ بكلمة، تَحِلُّ لغزي وتقرأُ كلامَ عيني وتنصتُ لكلِّ حرفٍ أَتَُفَوَّهُ به، سَبَّبَ اللهُ وجودَها بحياتي كي أُطمئنُ، والآن ومنذ رحيلها لا أَملِكُ إلا أنّ أقول: (إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُون).
كيف أنسى وطني الذي كنتُ أَلُوذُ به من حروبِ الدنيا! غربتي بعدَ رحيلِها ما زالت تؤكدُ لي أن ذكراها سيدةُ عمري كله وملكته.
هي حبيبتي، كانت تضيقُ بِيَ الطرقاتُ فأجدُ في صدرها المُتسع، أشعرُ بالخوفِ فترقيني وأنا بينَ أحضانِها وتستعيذُ باللهِ من رجفةِ قلبي حتى أهدأ وأطمئن.
كانت تقبلني حينما ترفضُني الحياةُ، واليوم أنا لستُ مقبولَةً وفقيدتي ليست هنا.
سأظلُّ أفتقدكِ يا حبيبة الروح، سأظلُّ أفتقدُ هدوءكِ وقتَ العاصفة، وسلامكِ وقتَ الحرب، ودعمكِ وقت الشدائدِ والصعاب.
أشتاقكِ قدرَ اتساعِ السماء، وأدعو اللهَ أن يجمعَ لي بينَ الأجرِ وحنيني إليكِ منذ رحيلكِ من الدنيا إلى لقائي بكِ في دارٍ لا تشتتُ شملَ القلبِ عن صاحبه.
جريدة أنا معاق - anamo3k news
منتدي سارونة
أكاديمية منى المنصور للفنون والثقافة والسلام

تعليقات
إرسال تعليق