لقاء علمى متميز




 كتبت /منى منصور السيد 

مع غروب شمس هذا اليوم العلمي البهيج، وتتويجاً لتلك اللحظات المعرفية الغامرة بالود والتقدير التي شهدتها ردهات منتدى المعرفة الثقافية والإنسانية، يطيب لي أن أسطر هذه الكلمات لتكون جسراً يربط بين متعة اللقاء العلمي الذي جمعنا وبين الآفاق المستقبلية التي نطمح إلى ارتيادها معاً، مسترجعة تفاصيل المحاضرة العلمية الموسومة بـ "الصحة النفسية لذوي الإعاقة: آفاق الدعم والتمكين" والتي تشرفت بإلقائها وسط حضور نخبة من أهل الفكر والأكاديميين والمهتمين بالصناعة الإنسانية الرفيعة.

إن التأسيس لأي فكر تنموي وحقوقي رصين لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال فك الاشتباك الدلالي والمصطلحي الذي طالما ران على الوعي الجمعي، ومن هنا ركزت في مستهل المحاضرة على ضبط التخوم الفاصلة بين ثنائيات وثلاثيات مفاهيمية معقدة؛ فالإصابة تعبر عن الخلل البيولوجي أو العضوي الصرف الناتج عن اعتلال صحي أو حادث طارئ، بينما يمثل العجز ذلك القصور الوظيفي الحركي أو السيكولوجي المترتب على تلك الإصابة، لتتشكل الإعاقة في نهاية المطاف كظاهرة اجتماعية معقدة تولد في لحظة اصطدام هذا العجز بالحواجز البيئية والمادية والمعمارية والسلوكية التي يضعها المجتمع، مما يعني بشكل قاطع أن المجتمع هو من يعيق الفرد عندما يعجز عن استيعاب التنوع البشري وإتاحة الفرص المتكافئة للجميع.

هذا التحديد العلمي الدقيق يقودنا حتماً إلى ريادة تحول جذري ومؤسسي في الفكر الإنساني والتربوي، ينتقل بنا من إسار النموذج الطبي القاصر الذي يختزل الإنسان في حدود علته البنيوية ويراه محطاً دائم المصير للشفقة أو العلاج، إلى رحاب النموذج الحقوقي والاجتماعي الأرحب الذي يرى التمكين وإتاحة الفرص التزاماً أصيلاً نابعاً من حقوق المواطنة الإنسانية، ويتلازم هذا التحول بالضرورة مع إعادة صياغة مفهوم الصحة النفسية الشامل، بحيث لا تغدو مجرد خلو الذات من الاضطرابات الإكلينيكية، بل حالة ديناميكية من الرفاه النفسي والروحي والاجتماعي يمتلك فيها الفرد مرونة كافية لمواجهة ضغوط الحياة والإنتاج الفاعل والوعي الحقيقي بقدراته الجوهرية.

ولم يكن ليمر هذا الطرح الأكاديمي دون ملامسة تضاريس المعاناة والتحديات الوجدانية التي يجابهها ذوو الإعاقة؛ إذ تبرز رحلة التقبل الذاتي كمسار وعر تختلف معالمه بين الإعاقة الولادية التي تفرض مواءمة فطرية وبناءً تدريجياً للهوية، وبين الإعاقة المكتسبة التي تفجر صدمة وجودية حادة تستدعي عبور مراحل وعرة من الفقد والحداد النفسي تبدأ بالإنكار والغضب الصامت وتمر عبر التكيف، وهي تحديات تتضاعف بفعل الوصمة الاجتماعية والنظرات الاختزالية، علاوة على غياب التيسيرات المادية في الفضاءات العامة مما يعمق مشاعر التهميش والاغتراب المكاني والإنهاك النفسي المستمر.

إن مواجهة هذه التحديات تطلبت منا استعراض استراتيجيات البناء والصلابة النفسية كأدوات علاجية ووقائية حتمية تهدف إلى صياغة "جهاز مناعة وجداني" يعيد إنتاج المعنى من قلب التحدي، وذلك عبر تقنيات المرونة النفسية وتطبيقات المدرسة المعرفية السلوكية لإعادة صياغة الأفكار وتفنيد الأفكار التلقائية السلبية وتشوهات التفكير، لتقليل مدركات الدونية واستبدالها برؤى عقلانية تعزز صورة الجسد وتقدير القيمة الإنسانية الثابتة للمرء بمعزل عن أي قصور مادي، وهو بناء يتكامل بنيوياً مع الدور المحوري للدعم الاجتماعي والأسري المرتكز على تقديم الدعم العاطفي المتوازن، والحذر الشديد من السقوط في فخ الإفراط في الحماية الذي يمارس اغتيالاً صامتاً لاستقلالية الفرد ويورثه عجزاً متعلماً، بالتوازي مع أهمية شبكات الأمان المجتمعية وجماعات الأقران لتلبية الحاجة الفطرية للانتماء.

وفي ختام هذا الإبحار العلمي الممنهج، انجلت الرؤية نحو حتمية رسم آليات إجرائية عملية تؤسس للاستقلالية والتمكين، من خلال نقل بؤرة التركيز والبحث من مواطن العجز والقصور إلى مكامن القوة والتميز والمواهب الكامنة، فالاستقلالية ليست مجرد شعار براق بل هي أداة علاجية سيكولوجية ذات أثر تدويري متبادل، حيث يسهم التمكين التعليمي والمهني وفتح مسارات المشاركة الإبداعية في رفع منسوب الكفاءة الذاتية المدركة، وينقل الفرد من خانة المتلقي السلبي للرعاية إلى خانة الصانع والمساهم الأصيل في تنمية مجتمعه، وبذلك فقط تتحقق جودة الحياة وتكتمل آفاق الصحة النفسية الشاملة.

ولا يسعني وأنا أضع القلم في نهاية هذا الملخص المعرفي إلا أن أتقدم بأسمى عبارات الشكر الجزيل وأوفر مشاعر الامتنان والتقدير لإدارة منتدى المعرفة الثقافية والإنسانية، وعلى رأسها الأستاذ ماجد حميد رشيد النعيمي رئيس المنتدى، والدكتورة خضرة موسى أبو جامع التي تولت إدارة المنصة باقتدار وتميز، على هذا التكريم الباذخ والاحتفاء الكريم الذي غمروني به، ومنحي درع الشكر والتقدير بمناسبة إلقاء هذه المحاضرة في هذا اليوم المبارك، التاسع من يونيو لعام ألفين وستة وعشرين، متمنية لهذا الصرح الثقافي الرائد دوام التألق والريادة والإبداع في خدمة العلم والإنسانية.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني