23 يوليو... لماذا ما زلنا نتحدث عنها بعد أكثر من 70 عامًا؟
بقلم: أحمد مختار- مصر
تخيل أن تستيقظ صباحًا، فتجد أن بلدك لم تعد كما كانت بالأمس!
ملك يغادر الحكم، وجيش يعلن ميلاد الجمهورية، وشعب يحلم بمستقبل جديد. لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم سينمائي، بل ما حدث بالفعل في مصر يوم 23 يوليو 1952، وهو اليوم الذي غيّر تاريخ الوطن، بل غيّر مصير شعوب أخرى أيضًا.
قد يسأل شاب اليوم: ما الذي يهمني في ثورة حدثت قبل أن يولد أبي أو جدي؟
الإجابة بسيطة... لأن كثيرًا مما نراه اليوم بدأ من هناك.
قبل ثورة يوليو، كانت مصر ما تزال تعاني من النفوذ البريطاني، وكانت الفوارق الاجتماعية كبيرة، بينما كان القرار الوطني لا يعبر دائمًا عن إرادة الشعب. فجاء مجموعة من الضباط الشباب، لم يتجاوز معظمهم الثلاثينيات من العمر، بقيادة جمال عبد الناصر، ليقرروا أن مستقبل مصر يجب أن يصنعه المصريون.
لم تكن الثورة مجرد تغيير للحكام، بل كانت مشروعًا لبناء دولة قوية. فصدر قانون الإصلاح الزراعي، واتسعت فرص التعليم، وأُنشئت المصانع، وبدأت الدولة في استصلاح الصحراء، والأهم أنها اتخذت قرارًا غيّر نظرة العالم إلى مصر... تأميم قناة السويس.
عندما أعلن عبد الناصر تأميم القناة عام 1956، لم يكن القرار اقتصاديًا فقط، بل كان إعلانًا بأن مصر أصبحت صاحبة قرارها. ورغم العدوان الثلاثي، خرجت مصر أكثر قوة، وأصبح اسمها يتردد في العالم باعتباره رمزًا للاستقلال ورفض الهيمنة.
ثم جاء مشروع السد العالي، الذي لم يكن مجرد سد، بل مشروعًا أنقذ مصر من أخطار الفيضانات والجفاف، ووفّر الكهرباء، وساعد على التوسع الزراعي، وما زال حتى اليوم أحد أعظم الإنجازات الهندسية في تاريخ البلاد.
لكن ما يميز ثورة يوليو أنها لم تفكر في مصر وحدها. فقد وقفت إلى جانب ثورة الجزائر حتى نالت استقلالها، وقدمت الدعم لليمن، وساندت حركات التحرر في إفريقيا، حتى أصبحت القاهرة قبلة لكل من كان يحلم بالحرية. ولهذا ينظر كثير من الأفارقة والعرب إلى مصر باعتبارها شريكًا في استقلالهم، وليس مجرد دولة مجاورة.
أما الجيش المصري، فقد كان أحد أكبر المستفيدين من مشروع يوليو. فبعد سنوات من البناء والتطوير، ورغم مرارة هزيمة 1967، لم تستسلم مصر. بل بدأت حرب الاستنزاف، التي أعادت بناء الثقة، ثم جاء يوم 6 أكتوبر 1973، عندما عبر الجنود المصريون قناة السويس، وحطموا خط بارليف، وكتبوا واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري الحديث.
وبعد الحرب، قاد الرئيس محمد أنور السادات مرحلة مختلفة، اختار فيها أن يحول النصر العسكري إلى مكسب سياسي، حتى استعادت مصر كامل أرض سيناء، آخرها مدينة طابا، لتعود كل ذرة من ترابها إلى السيادة المصرية.
قد تختلف مع بعض سياسات تلك المرحلة، وقد يناقش المؤرخون ما لها وما عليها، لكن من الصعب إنكار أن ثورة يوليو غيّرت وجه مصر، ورسخت فكرة أن الدولة القوية تحتاج إلى جيش قوي، واقتصاد قوي، وقرار وطني مستقل.
وهنا تأتي الرسالة الأهم لجيل اليوم...
الأوطان لا تُبنى في يوم، ولا يحميها جيل واحد. كل جيل يتسلم الراية ممن سبقه، ثم يضيف إليها شيئًا جديدًا. وما فعله شباب يوليو عام 1952 كان بداية طريق طويل، وما تحقق بعد ذلك في أكتوبر، وفي استعادة سيناء، وفي بناء الدولة، كان حلقات في السلسلة نفسها.
لذلك، لا تنظر إلى ثورة 23 يوليو باعتبارها مجرد درس في كتاب التاريخ، بل باعتبارها رسالة تقول لك: إن مجموعة من الشباب، عندما امتلكت الحلم والإرادة، استطاعت أن تغيّر مستقبل وطن بأكمله.
وربما يكون السؤال الحقيقي ليس: ماذا فعل جيل يوليو؟

تعليقات
إرسال تعليق