ذكرى 23 يوليو: لحظة تأمل وتجديد عهد
بقلم/ نزية عتيق
في الثالث والعشرين من يوليو من كل عام، لا نحتفل بتاريخٍ مضى فحسب، بل نقف عند محطة فارقة أعادت تشكيل وجدان المصريين. هي ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، اليوم الذي اختار فيه شعب وجيش أن يكتبوا معًا بداية جديدة لوطن كان يبحث عن كرامته واستقلاله وعدالته.
الثورة كفكرة قبل أن تكون حدثًا
23 يوليو لم تكن مجرد حركة ضباط، كانت صدىً لصراخ الشارع المصري الذي أنهكته سنوات من الظلم والاستغلال. جاءت لتقول: إن الوطن لأبنائه، وإن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا بل مشروع دولة. ومن هنا بدأت ملامح الجمهورية الجديدة تتشكل: تأميم القناة، الإصلاح الزراعي، مجانية التعليم، وبناء السد العالي. كلها خطوات قالت إن السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع بالعمل والإرادة.
ماذا تعني لنا اليوم
في زمن التحديات المتسارعة، تصبح الذكرى دعوة لاستلهام الروح لا استدعاء الماضي. روح يوليو هي روح التكاتف بين الشعب ومؤسساته، وروح الانحياز للطبقة الكادحة، وروح الإيمان بأن التغيير يبدأ من الداخل.
حين نرى اليوم مشروعات قومية، ومساعي للحماية الاجتماعية، ومحاولات لترسيخ الهوية الثقافية في قصور الثقافة من الطور إلى أسيوط، ندرك أن امتداد يوليو لم ينقطع. هو نفسه الحلم: دولة قوية بأبنائها، وثقافة تعبر عنهم، ومستقبل يليق بهم.
درس يوليو للأجيال الجديدة
الأجيال التي لم تعش 1952 تحتاج أن تفهم أن الثورة ليست يومًا في التقويم. الثورة موقف يومي: في العمل بإخلاص، في رفض الفساد، في الدفاع عن الوطن بالكلمة والفعل كما دعت دار الإفتاء لاستلهام روح الثورة في البناء.
الثقافة أيضًا كانت حاضرة منذ البداية. مع انبثاق فجر يوليو أدركت الدولة حاجتها لجهاز إعلامي وثقافي يوضح المبادئ ويدعو إليها، فكانت وزارة الإرشاد القومي التي تطورت لاحقًا إلى وزارة الثقافة. اليوم ونحن نحتفل بعروض فنية وأمسيات شعرية وورش إبداعية، نؤكد أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الحجر.
ذكرى 23 يوليو ليست للاحتفاء فقط، هي مرآة. نسأل فيها أنفسنا: هل حافظنا على معاني العزم والإرادة والعمل من أجل وطن قوي ومتقدم؟
هل نحن أوفياء لدماء من سبقونا؟ الوفاء لا يكون بالكلمات، بل بمواصلة العمل الجاد، وترسيخ روح المشاركة والمسؤولية.
كل عام ومصر بخير وسلام. وكل عام ونحن نجدد العهد: أن نبني، أن نعمل، وأن نؤمن أن المستقبل يُصنع اليوم، كما صُنع بالأمس في فجر الثالث والعشرين من يوليو.

تعليقات
إرسال تعليق