ثورة 23 يوليو.. رحلة سبعين عامًا من التغيير إلى يومنا هذا
بقلم: د. أحمد شندي
في الثالث والعشرين من يوليو كل عام، تستوقفنا الذاكرة الوطنية أمام حدث لم يكن مجرد انقلاب عسكري كما وصفه البعض، ولا ثورة كاملة الأركان كما يراها آخرون، بل كان لحظة تأسيسية أعادت رسم ملامح مصر لعقود طويلة، ولا تزال تداعياتها حاضرة حتى يومنا هذا.
مصر قبل يوليو.. أرض تنتظر التغيير
لفهم حجم ما أحدثته الثورة، لا بد أن نعود إلى الصورة التي كانت عليها مصر قبل 1952. كانت البلاد تحت حكم ملكي ورث الفساد والترهل، بينما لا تزال القوات البريطانية تحتل قناة السويس رغم معاهدة 1936. الفوارق الطبقية كانت هائلة؛ أقلية من كبار الملاك تمتلك معظم الأراضي الزراعية، بينما يعيش ملايين الفلاحين في فقر مدقع بلا أرض ولا حقوق. وفي 1948، جاءت نكسة حرب فلسطين لتكشف هشاشة الجيش والنظام معًا، وتزيد من غضب الضباط الشباب داخل المؤسسة العسكرية.
ليلة 23 يوليو
في تلك الليلة، تحركت تنظيم الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، وبقيادة رمزية للواء محمد نجيب، للسيطرة على مقاليد الحكم دون إراقة دماء تُذكر. وفي 26 يوليو، أُجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش ومغادرة البلاد. لم يكن ذلك سوى البداية؛ ففي 1953 أُعلنت مصر جمهورية رسميًا، لينتهي بذلك عهد الملكية الذي استمر لعقود.
عصر عبد الناصر.. بناء الدولة الحديثة
شهدت الفترة من 1954 حتى 1970 التحولات الأعمق في تاريخ مصر الحديث:
الإصلاح الزراعي: إعادة توزيع الأراضي على الفلاحين وتحديد الملكية الزراعية، ما فكك سيطرة كبار الإقطاعيين.
التعليم المجاني: فتح الأبواب أمام أبناء الطبقات الفقيرة للالتحاق بالجامعات، ما أنتج جيلًا جديدًا من الأطباء والمهندسين والمعلمين من أصول بسيطة.
تأميم قناة السويس 1956: القرار الذي أشعل العدوان الثلاثي، لكنه انتهى بانتصار سياسي لمصر وتحول عبد الناصر إلى زعيم عربي بارز.
السد العالي: أحد أعظم المشروعات الهندسية في القرن العشرين، حمى مصر من الفيضانات والجفاف ووفر الكهرباء لملايين المصريين.
التصنيع والتأميم: بناء قاعدة صناعية وطنية، وإن رافقها جدل اقتصادي لا يزال محل نقاش حتى اليوم حول كفاءة القطاع العام.
في المقابل، شهدت هذه الفترة أيضًا تضييقًا على الحريات السياسية، وصراعًا مع تيارات الإخوان المسلمين والشيوعيين، وهزيمة قاسية في نكسة 1967 تركت جراحًا عميقة في الوجدان المصري.
من السادات إلى مبارك.. تحولات ما بعد الناصرية
جاء أنور السادات ليعيد رسم السياسة المصرية بشكل جذري؛ حرب أكتوبر 1973 استعادت الكرامة الوطنية بعد نكسة 67، ثم جاءت اتفاقية السلام مع إسرائيل 1979 لتغير موقع مصر الإقليمي بشكل جدلي حتى اليوم. اقتصاديًا، تبنى السادات سياسة الانفتاح التي أنهت مركزية الاقتصاد الناصري.
بعد اغتيال السادات عام 1981، جاء حسني مبارك ليحكم لثلاثة عقود شهدت استقرارًا نسبيًا لكن أيضًا جمودًا سياسيًا وتفاقمًا في الفساد والفجوة بين الأغنياء والفقراء، وهو ما مهّد لاحقًا لثورة يناير 2011.
يوليو في الذاكرة المعاصرة
اللافت أن إرث يوليو لم يُطوَ بسقوط مبارك، بل ظل حاضرًا في الخطاب السياسي المصري حتى اليوم. فكرة الدولة الوطنية القوية، ومركزية الجيش كضامن للاستقرار، ومشروعات البنية التحتية الكبرى كأداة للتنمية، كلها خيوط يمكن تتبعها من يوليو 1952 وصولًا إلى مشروعات العقد الأخير مثل العاصمة الإدارية الجديدة وتفريعة قناة السويس الجديدة، والتي يراها كثيرون امتدادًا لفكرة "المشروع القومي الكبير" التي أرستها يوليو.
القيادة السياسية الحكيمة
من أبرز الدروس التي تحملها ذكرى يوليو أن نجاح أي مشروع وطني كبير يبقى مرهونًا بوجود قيادة سياسية واعية تملك رؤية واضحة وإرادة حقيقية للتغيير. فالإصلاح الزراعي والسد العالي وبناء القاعدة الصناعية لم تكن مجرد قرارات عابرة، بل كانت ثمرة قيادة أدركت أن التنمية الحقيقية تبدأ من تمكين الإنسان المصري البسيط قبل أي شيء آخر.
وتتجلى حكمة القيادة في يوليو أيضًا في قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية في لحظات حرجة، كما حدث في تأميم قناة السويس، حين تحوّل موقف سياسي جريء إلى مكسب وطني واستراتيجي رغم كل التحديات الدولية التي واجهته. هذا النهج في الإدارة، القائم على الجرأة المحسوبة والثقة في القدرات الوطنية، يظل نموذجًا يُستحضر كلما تحدثنا عن أهمية القيادة في صناعة القرار المصيري للأوطان.
وحتى اليوم، تستلهم الدولة المصرية من هذا الإرث فكرة أن المشروعات القومية الكبرى تحتاج إلى قيادة قادرة على المواءمة بين الطموح والواقع، وبين سيادة القرار الوطني ومتطلبات العلاقات الدولية، وهو ما يفسر استمرار حضور نموذج "الدولة القائدة" في الوعي السياسي المصري عبر مختلف المراحل.
خلاصة القول
تبقى ثورة 23 يوليو نقطة تحول لا يمكن تجاوزها في تاريخ مصر الحديث؛ فهي التي حولت مصر من مملكة تابعة إلى جمهورية مستقلة، ومن مجتمع طبقي جامد إلى دولة تؤمن -نظريًا على الأقل- بتكافؤ الفرص. وفي كل ذكرى، تظل المهمة الحقيقية أمامنا هي أن نقرأ هذا التاريخ بعين ناقدة واعية، نحتفظ فيها بالإنجاز، ونتعلم من الأخطاء، ونستلهم منها إرادة البناء التي لا تزال مصر بحاجة إليها حتى اليوم.

تعليقات
إرسال تعليق