أنا والقلم… رحلة عمر لا تنتهي


بقلم الإعلامي الدكتور / أحمد شندي 

مقدم برنامج ساحة رأي قناة الحدث اليوم 

ليس القلم أداة أكتب بها، بل رفيق يسير إلى جواري كلما ضاقت الطرق واتسعت الأسئلة. هو المرآة التي تعكس ما تعجز ملامحي عن قوله، والصوت الذي ينطق حين يختار الجميع الصمت. كل حرف أخطه هو خطوة أقترب بها من نفسي، وكل كلمة هي محاولة جديدة لفهم هذا العالم الذي يمضي مسرعًا ولا يمنح أحدًا فرصة للبوح.


علمني القلم أن الحقيقة لا تُقال دفعة واحدة، بل تُكتب سطرًا بعد سطر، وأن الوجع حين يتحول إلى كلمات يصبح أقل قسوة، وأن الأمل يولد أحيانًا من بين حروف أنهكها التعب. كلما انكسرت عزيمتي، وجدته ينتظرني في نهاية الصفحة، يمد إليَّ يدًا من حبر، ويقنعني أن البداية ممكنة مهما أثقلتنا النهايات.


أكتب عن الذين مروا في حياتي وتركوا أثرًا لا يمحوه الزمن، عن أمي التي ما زالت تسكن الدعاء، وعن الأصدقاء الذين غيبتهم الأيام وبقيت ذكراهم بين السطور، وعن الأحلام التي تعثرت لكنها لم تمت. أكتب عن وطن يستحق أن نحلم به، وعن إنسان يستحق أن يُنصت إليه، وعن قلب لا يزال يؤمن أن الكلمة الصادقة قادرة على تغيير الكثير.


لم يكن القلم يومًا شاهدًا صامتًا، بل كان شريكًا في كل معركة خاضها الفكر، وفي كل انتصار حققته الإرادة على اليأس. وحين تضيع مني الكلمات، أجدها قد سبقَتني إلى الورق، كأنها تعرفني أكثر مما أعرف نفسي، فتكتب ما أخفيه، وتكشف ما حاولت أن أدفنه في أعماقي.


أنا والقلم لا تجمعنا علاقة كاتب بأداة، بل عهد لا يخونه الزمن. فإذا ضعفت، حملني، وإذا تاهت أفكاري، أعاد ترتيبها، وإذا أثقلني الصمت، منحني لغة لا تعرف الانكسار. لذلك سأظل أكتب، لا بحثًا عن تصفيق، ولا انتظارًا لثناء، وإنما لأن الكتابة هي الحياة حين تضيق الحياة، ولأن القلم سيبقى دائمًا الرفيق الذي لا يخذلني، والشاهد الذي يحفظ ما عجز الزمن عن الاحتفاظ به.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني