المجتمع الزجاجي


كتب: حسن نوفل

هناك متلازمة تُعرف باسم العظام الزجاجية، يعاني المصابون بها هشاشةً شديدة في العظام، حتى إن أبسط الصدمات قد تُسبب لهم الألم أو الكسور. لكن، بعيدًا عن الطب، ثمة نوع آخر من "الزجاج" لا يقل قسوة، بل ربما يفوقه أثرًا؛ إنه المجتمع الزجاجي.

إننا، نحن ذوي الإعاقة، نعيش أحيانًا داخل مجتمع يبدو وكأنه جدارٌ شفاف يفصلنا عن الآخرين. نراهم ويروننا، لكنهم لا يرون حقيقتنا، ولا يدركون قدراتنا، ولا يسمعون أصوات أحلامنا. نصبح حاضرين في المشهد، وغائبين عن الاهتمام، وكأن وجودنا لا يتجاوز كونه صورةً خلف زجاجٍ لا يسمح لأحد بأن يلمس الحقيقة.

كم من موهبةٍ وُلدت لتُبدع، لكنها اصطدمت بأحكامٍ مسبقة! وكم من إنسانٍ يحمل من الطاقات ما يكفي لصناعة الفرق، غير أن المجتمع انشغل بالمظهر، وغفل عن الجوهر. فالمظاهر قد تخدع الأبصار، أما القلوب الواعية فهي وحدها القادرة على اكتشاف قيمة الإنسان الحقيقية.

إن القضية ليست في الإعاقة، بل في النظرة إليها. فحين يغيب الوعي، ويحل محله الحكم السريع، يتحول الزجاج إلى حاجزٍ يحجب الفرص، ويكتم الأصوات، ويترك أثرًا نفسيًا قد يكون أشد قسوة من أي عائقٍ جسدي.

لسنا بحاجة إلى شفقة، ولا نبحث عن استثناءات، بل نطالب بحقٍ أصيل في أن نُرى كما نحن، وأن تُمنح لنا الفرصة العادلة لإثبات قدراتنا، وأن يُقاس الإنسان بعقله، وأخلاقه، وعطائه، لا بما يراه الآخرون في ظاهره.

قد يبدو هذا الزجاج سميكًا، وقد تبدو محاولة كسره شاقة، لكننا لن نتوقف عن المحاولة. سنواصل التعلم، والعمل، والإبداع، وإثبات ذواتنا، حتى تتشقق تلك الجدران التي صنعتها الأفكار الخاطئة، لا الحقائق.

وسيأتي يومٌ يدرك فيه الجميع أن الإنسان لا تُحدده إعاقته، بل تُحدده إرادته. وعندها فقط، لن يبقى للمجتمع الزجاجي وجود، لأن الوعي سيكون قد كسر كل الحواجز، وأعاد للإنسان قيمته الحقيقية.

فليكن اختلافنا سببًا لاكتشاف طاقاتنا، لا ذريعةً لتهميشنا. ولنتذكر دائمًا أن الزجاج، مهما بدا صلبًا، لا يصمد طويلًا أمام إرادةٍ لا تعرف الانكسار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني