هل الوحدة أخطر على الإنسان من التدخين؟

 

بقلم المؤلفة و الكاتبة و الباحثة: حفصة محمود فراج 


ال مُلَقَّبَةُ ب " قاهرة المستحيل"

قد يظن البعض أن أخطر ما يهدد صحة الإنسان هو الأمراض المعدية أو العادات غير الصحية، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الوحدة المزمنة قد تكون من أخطر العوامل التي تؤثر في صحة الإنسان الجسدية والنفسية.


في عام 2023، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الوحدة والعزلة الاجتماعية أصبحتا قضية صحية عالمية تستحق اهتمامًا واسعًا، بسبب آثارها على الصحة العامة. كما أظهرت مراجعة علمية كبيرة قادتها عالمة النفس الأمريكية جوليان هولت-لونستاد (Julianne Holt-Lunstad) من جامعة بريغهام يونغ، وشملت بيانات من ملايين المشاركين، أن العزلة الاجتماعية والوحدة ترتبطان بزيادة خطر الوفاة المبكرة، وهو ما دفع الباحثين إلى التحذير من خطورة إهمال العلاقات الإنسانية.


ويرى الطبيب النفسي الأمريكي جون كاسيوبو (John Cacioppo)، أحد أبرز علماء العالم في دراسة الوحدة، أن الوحدة ليست مجرد غياب الناس، بل هي شعور بعدم وجود علاقة إنسانية عميقة تمنح الإنسان الأمان والانتماء، ولذلك قد يشعر شخص يعيش وسط آلاف الناس بوحدة أشد من شخص يعيش بمفرده.


ومن الناحية الطبية، تؤدي الوحدة المزمنة إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول، مما يزيد من التوتر، وقد يؤثر في كفاءة جهاز المناعة، ويرفع احتمالية الإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب وأمراض القلب مع مرور الوقت. كما تشير أبحاث إلى أن العلاقات الاجتماعية الجيدة ترتبط بتحسن الصحة العقلية والجسدية وطول العمر.


وقد سبق الإسلام إلى بناء مجتمع يقوم على الألفة والتراحم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. وقال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (متفق عليه). فالإسلام لم يجعل العلاقات الاجتماعية أمرًا ثانويًا، بل جعلها جزءًا من بناء الإنسان والمجتمع.


ولكي تحمي نفسك من الوحدة، احرص على صلة الرحم، وخصص وقتًا للقاء الأهل والأصدقاء، وشارك في الأعمال التطوعية، وقلل من الاعتماد على التواصل الرقمي وحده، ولا تتردد في طلب الدعم إذا شعرت أن الوحدة أصبحت تؤثر في حياتك.


إن الإنسان لم يُخلق ليعيش وحده، فالكلمة الطيبة، والصديق الصادق، والأسرة الدافئة، قد تكون أحيانًا أعظم علاج لا يُباع في الصيدليات. فقد نعيش في عالمٍ مزدحم بالوجوه... لكن ما نحتاجه حقًا هو قلبٌ يشعر بنا، لا شاشةٌ تضيء أمامنا.



تعليقات