ذكريات مع الأيام

 

بقلم: حسن أبو الفرح (المنصورة)

كنت لسه طفل صغير لما أبويا أخدني في 28 سبتمبر 1970 وركبنا القطار للقاهرة، مع الملايين اللي زحفت علشان تودع القائد والأب في يوم فقد فيه الوطن أغلى أبطاله وأعز أبنائه. فاكر زي النهاردة صوت أمي وهي بتقول لأبويا بخوف: «سيب الولد معايا في الدار.. أخاف عليه يضيع منك وسط الملايين اللي رايحين لبيت الزعيم!»، فكان رد أبويا الصلب المليان وجع ويقين: «مش هيضيع أعز من اللي ضاع، ولا هيروح أغلى من اللي راح!». أخدني على كتفه واتحشرنا وسط الزحام الرهيب في محطة القطار، والناس كلها بتهتف بصوت واحد يهز الأرض: «يا ديان ما تشمتش.. عبد الناصر حي مامتش».

كنت لسه يادوب ببدأ أشوف جمال عبد الناصر في البيت والمدرسة والشارع، بتهجى حروف الوطن كل يوم الصبح في طابور المدرسة على نغمات «والله زمان يا سلاحي.. ازعق وقول أنا صاحي». الوطن كان مكتوب على جدران البيوت وفي الغيطان والمصانع والجوامع. صوت عبد الناصر كان بينادي كل يوم على العمال والفلاحين والصنايعية والفواعليّة، والناس ترد في الميادين والأسواق: «ناصر يا حرية.. ناصر يا وطنية». مش فاكر بالتحديد إمتى شفت ضحكة أبويا الله يرحمه بعد موت ناصر، يمكن المرة الوحيدة اللي شفت فيها ضحكته وضحكة المصريين كلهم وفرحتهم كانت الساعة اتنين والشمس في كبد السماء يوم 6 أكتوبر 1973، لما جيشنا العظيم عبر القناة وحطم حصون بارليف. أبويا كان دايماً يقول: «إحنا يتامى من بعدك يا ناصر»، وفضلت صورة الزعيم متبروزة ومتعلقة على جدار بيتنا في المدخل ومحلية أوضة الضيوف، وكل ما كنت بَكبر سنة، كان الوطن بيكبر جوايا.

حفظت النشيد وغنيت مع الملايين اللي حررهم جمال عبد الناصر؛ غنيت «حكاية شعب» مع السد العالي، وتغنيت مع الأبنودي برسايل «الأسطى حراجي القط الكاين في جبلاية الفار» لمراته «فاطنة أحمد عبد الغفار»، وهو بيحكي لها عن جبل أسوان والشباب اللي راحوا يبنوا السد رغماً عن الأمريكان وصندوق النكد الدولي. رددنا ورى محمد حمام «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي.. استشهد تحتك وتعيشي أنتِ»، وغنينا مع الكابتن غزالى وشباب السويس «فات الكثير يا بلدنا ما بقاش إلا القليل»، ورسخنا مع محمد نوح بكلمات إبراهيم رضوان ابن المنصورة «مدد مدد شدى حيلك يا بلد.. وإن كان ف أرضك مات شهيد فيه ألف غيره بيتولد»، وغنينا ورى العندليب «فدائي.. أهدي العروبة دمي.. وإن مت يا أمي ما تبكيش.. رح أموت علشان بلدي تعيش». كانت أحلامنا بنشتغل ونعرق علشانها، والستات والبنات الحرائر كنّ أسبق من الشبان بالتطوع علشان نحقق حلم ناصر في بناء وطن مفيش فيه علم بريطاني مدنس نسيمه، وتحقيق حلم 23 يوليو 1952 في استعادة مصر لحريتها وتطهير البلد من قبضة السفارة البريطانية على القصر والملك.

ولأن ثورة يوليو كانت ثورة مصرية خالص مش محملة بأجندات خارجية، كان طبيعي تتعرض لمؤامرات ورا مؤامرات؛ من عدوان 1956 على مدن القناة، لنكسة يونيو 1967، والعدو المدعوم من الغرب والصهيومريكية لسه بيحاول يكسر شوكتنا. لكن نفس الشبان اللي راحوا بور سعيد في 56 ونفس الشعب اللي صلى الجمعة في الأزهر، هم نفس شعب 9 و10 يونيو اللي رفض الهزيمة وقال بعزيمة: «يا ناصر إثبت مكانك.. هنحارب.. وما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة». راح ناصر والنيل فضِل يجري يروي حلوق المصريين أمل وعمل، وأرحام حرائر مصر مأنضبتش عن إنجاب أبطال من طينة ناصر. استلم الراية البطل الفلاح أنور السادات من فلاحين الوطن الشرفاء، ليعيد الأمل على رمل سيناء ويقول للرجال «عدو القناة»، لتستمر المؤامرات وتغتال فرحتنا بالبطل الشهيد يوم احتفالنا بالنصر في ذكرى العبور الثامنة على إيد الإخوان المتأسلمين اللي حاولوا يجروا مصر للفوضى.

لكن شعب مصر الأذكى فطن للمؤامرة ونزل الشوارع يصرخ في وجه مندوبهم في قصر الرئاسة «ارحل»، وكانت ثورة 30 يونيو المكملة لنضال بدأ في 23 يوليو 1952، ونادى الشعب على عبد الفتاح السيسي، حفيد من أحفاد ناصر خرج من رحم البطولة، شائل روحه على كفه علشان يلبي نداء الوطن اللي أقسم يضحي لأجله براً وبحراً وجواً. والنهاردة في يوليو 2026، وأنا بكتب المرثية دي لراجل لسه فاضل في ذاكرة الوطن، مش مجرد بكاء على اللي فات، لكن حاسس إننا محتاجين لروحك يا ناصر في العمل والمعركة اللي لسه شغالة والمخطط اللي بيتكرر علينا. مصر اللي عاشت جواك يا ناصر هي نفس مصر اللي عايشة جوانا؛ حالفين نبني ولا نهدد، ونعمر ولا نبدد، ونستقوي بالله عز وجل، ونعرف الأجيال إزاي كل حباية رمل اتطهرت بالدم والعرَق. بالفعل يا ناصر.. اشتقت لك في كفاحي، والله زمان يا سلاحي.. ازعق وقول أنا صاحي.. تحيا مصر.. تحيا مصر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني