أبجدية الحب الصامت معركة الأسر في عالم طيف التوحد
كتبت /منى منصور السيد
بين جدران تسكنها المحبة وتغشاها الحيرة، تولد يومياً حكايات لا يرويها إلا الصبر؛ فمعاناة أسرة الطفل الذي يعاني من طيف التوحد ليست مجرد رحلة رعاية صحية أو تربوية عادية، بل هي عبور يومي في بحر من التحديات المتشابكة، تبدأ من لحظة البحث عن تشخيص ينير عتمة التساؤلات، ولا تنتهي عند حدود القلق المستمر على المستقبل.
تتجلى هذه المعاناة في تفاصيل خفية يحياها الآباء والأمهات، حيث يتحول البيت إلى محراب من الانتباه الشديد لفهم إشارات صامتة، أو لاحتواء نوبات غضب فجائية تنفجر دون إنذار بسبب فرط التحسس الحسي من مؤشرات بيئية قد يراها الآخرون طبيعية، وخلف هذه النظرات الصابرة والابتسامات المهذبة التي يواجه بها الآباء المجتمع، يكمن احتراق نفسي متراكم يستهلك الروح قبل الجسد، يغذيه الإجهاد المزمن الناجم عن اليقظة الدائمة، والوقوع في شرك العزلة المفروضة قسراً، حيث تتلاشى الصداقات وتقل الزيارات العائلية تجنباً لنظرات الشفقة أو الفضول التي تزيد من وطأة الألم بدلاً من تخفيفه، بل إن هذا الضغط يمتد ليصيب العلاقة الزوجية نفسها باختبارات قاسية تحت وطأة المسؤولية المشتركة وغياب الأوقات الخاصة، مما يجعل الصمود اليومي معجزة بحد ذاتها.
وعلى الصعيد العملي والمادي، تصطدم الأسر بواقع مرير يمزج بين شح مراكز التأهيل المتخصصة وارتفاع كلفة الجلسات العلاجية والسلوكية، مما يضع عبئاً مالياً باهظاً يهدد الاستقرار الاقتصادي للطبقات المتوسطة والفقيرة، ويزيد من عمق الفجوة بين متطلبات الطفل وإمكانات الأسرة، وأمام هذا الاستنزاف، يبرز الدور المجتمعي والمؤسسي كضرورة حتمية للانتقال من مربع التعاطف السلبي والشفقة إلى مربع التمكين والدمج الحقيقي، وهو ما يتطلب تضافر الجهود لإنشاء مراكز تأهيل حكومية متكاملة ومدعومة، وصياغة برامج دمج تعليمية مرنة داخل الفصول، فضلاً عن تهيئة البيئة العامة لتصبح صديقة لذوي الاحتياجات الخاصة، ونشر ثقافة الوعي بين الأفراد لمنع التنمر وتوفير حاضنة إنسانية حقيقية.
إن رعاية طفل التوحد ليست قضية فردية تسقط على كاهل الأم والأب وحدهما، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب وعياً بحجم التضحيات، حيث يظل التحدي الأعمق غائراً في نفوس الوالدين، متمثلاً في ذلك السؤال المؤرق الذي يطرق قلوبهم كل ليلة: "من سيفهم طفلنا، ومن سيحتويه ويدعمه إذا غبنا عنه يوماً؟"، لتظل رحلتهم بطولية صامتة، يحاولون فيها صياغة أبجدية خاصة للحب، أملًا في منح فلذات أكبادهم مكاناً آمناً في عالم يصر أحياناً على إقصاء من لا يشبهونه.

تعليقات
إرسال تعليق