مرار طافح


بقلم: الكاتبة والصحفية كارولين كمال

هناك لحظات لا يكون فيها الحزن هو الأصعب، بل يكون الصمت الذي يسبقه. حين تمتلئ الروح بما لا يُقال، ويصبح القلب مثقلاً بالخذلان، حتى يشعر الإنسان أن المرارة قد بلغت الحلق، وأنه لم يعد يملك القدرة على الاحتمال.


"مرار طافح" ليس مجرد تعبير نقوله في لحظة غضب، بل هو حالة يعيشها كثيرون. عندما تمنح الناس من وقتك، وصدقك، واهتمامك، ثم تكتشف أن كل ما قدمته لم يكن له عند البعض أي قيمة. حين تجد أن الوفاء أصبح عملة نادرة، وأن المصالح صارت تتقدم على المبادئ، يصبح طعم الأيام مختلفًا، وتصبح المرارة رفيقًا ثقيلًا.


الأصعب ليس أن تتعب، بل أن تتعب من أجل أشخاص لا يرون تعبك. وليس أن تُخطئ، بل أن تُحاسب على أخطاء غيرك. وليس أن تحب، بل أن تكتشف أن حبك كان في المكان الخطأ.


ورغم كل ذلك، يبقى الإنسان القوي هو من لا يسمح للمرارة أن تحوله إلى شخص قاسٍ. يتعلم الدرس، ويحفظ كرامته، ويواصل طريقه بقلب أكثر وعيًا، لا أكثر قسوة. فالحياة لا تتوقف عند خذلان، ولا تنتهي عند وجع، وإنما تمنحنا في كل مرة فرصة جديدة لنبدأ من جديد.


قد يطول الألم، وقد يترك أثرًا لا يمحوه الزمن بسهولة، لكن الأمل يبقى أقوى من كل مرارة، والكرامة أغلى من أي علاقة، والراحة النفسية أثمن من أي محاولة لإرضاء من لا يستحق.


لذلك، إذا شعرت يومًا أن "المرار طافح"، فلا تجعل المرارة تسكن قلبك إلى الأبد. اتركها تمر، وتعلّم منها، ثم امضِ في طريقك مرفوع الرأس، فالقادم قد يحمل ما يعوضك عن كل ما مضى.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية